علاقة اقتصادية "غير متوازنة".. أهداف غير معلنة لزيارة الرئيس الصيني إلى روسيا

19/03/2023 03:18PM

في زيارته المرتقبة لروسيا، لن يذهب الرئيس الصيني، شي جين بينغ، لصنع "السلام" أو إنهاء الصراع في أوكرانيا، لكن لضمان عدم خسارة موسكو وتحقيق مكاسب تفيد الصين وحدها، وفقا لتحليل نشرته صحيفة "التايمز" البريطانية.

والاثنين، يزور الرئيس الصيني موسكو لإجراء محادثات مع نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، ويعتزم التحدث قريبا إلى نظيره الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، وهو ما يبدو وكأنه "محاولة لإنهاء الحرب في أوكرانيا".

هل تريد الصين إنهاء الحرب؟

بالفعل فإن الرئيس الصيني يفضل انتهاء الصراع بدلاً من استمراره، بعدما أضرت الحرب بمصالح الصين بطرق مختلفة.

وتسبب الحرب في "تنشيط الناتو، وتقويض جهود بكين لإصلاح العلاقات الدبلوماسية مع أوروبا، وإضعاف الطلب في أسواق التصدير المهمة، وتحفيز إعادة تسليح اليابان، ودفع الولايات المتحدة لإرسال أسلحة إلى تايوان".

لكن شي لديه أولوية أكثر إلحاحا، وهدفه هو ضمان عدم خسارة روسيا الحرب، حسب "التايمز".

شراكة "بلا حدود"

التقى الرئيس الصيني، نظيره الروسي شخصيا 39 مرة منذ توليه الرئاسة، وكان آخرها في سبتمبر خلال قمة في آسيا الوسطى.

ويتمتع شي وبوتين بعلاقات صداقة استمرت عقدا من الزمان، وبلغت ذروتها بإعلانهما عن شراكة "بلا حدود"، والتي جاءت قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، ومن غير الواضح إذا أخبر بوتين شي بشأن خططه في الاجتماع، حسب "التايمز".

وفي فبراير 2022، أبرمت الصين وروسيا اتفاق شراكة "بلا حدود"، خلال زيارة بوتين لبكين لحضور افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الشتوية، وأعاد الجانبان التأكيد على قوة علاقاتهما، وفقا لـ"فرانس برس".

حدود العلاقة

على الرغم من ذلك، كانت هناك دائما "حدود واضحة للعلاقة"، فبكين لا تعترف بمطالبة موسكو بشبه جزيرة القرم، وتجنبت الشركات المملوكة للدولة الصينية إلى حد كبير انتهاك العقوبات الدولية المفروضة على روسيا منذ عام 2014.

كانت هذه الحدود واضحة بشكل خاص منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، حيث تقدم بكين، نفسها على أنها طرف محايد في الصراع.

ومع ذلك، رفضت الصين إدانة الغزو الروسي وانتقدت بشدة المساعدة التي تقدّمها واشنطن لكييف، ما أدى إلى اتهامها بتوفير غطاء دبلوماسي لروسيا أثناء غزوها أوكرانيا، حسب "فرانس برس".

ومن خلال رفض الاعتراف حتى بغزو روسيا لأوكرانيا أو تسمية ما حدث بأنه "حرب"، فمن الواضح أن الصين قد انحازت إلى أحد الجانبين، حسب "التايمز".

مصالح اقتصادية مشتركة

على المسرح العالمي، حاول الرئيس الصيني تصوير نفسه كمراقب حيادي لا يرغب في شيء أكثر من رؤية نهاية للحرب في أوكرانيا، لكنه في الوقت ذاته مد شريان الحياة الاقتصادي لبوتين بهدوء، وفقا لـ"التايمز".

وبعد عزلها بشكل واسع عن أوروبا منذ الغزو الذي شنته على أوكرانيا، قامت روسيا بتوجيه اقتصادها على نطاق واسع نحو الصين، مجازِفة في أن تجد نفسها في "علاقة غير متوازنة" مع بكين وفي موقف ضعيف أمامها، حسب "فرانس برس".

والصين هي أكبر مشتر للنفط الروسي الذي يمثل مصدرا رئيسيا للإيرادات لموسكو، وارتفع حجم التجارة الثنائية بين البلدين منذ الغزو، وفقا لـ"رويترز".

منذ ذلك الحين، تكثّفت التبادلات التجارية رغم العقوبات الدولية على روسيا ومغادرة العديد من الشركات الأجنبية أراضيها.

وبلغ حجم التجارة الثنائية العام الماضي 190 مليار دولار، وفقاً للجمارك الصينية، فيما يشكل رقما قياسيا.

كذلك، ارتفعت حصة اليوان في العملات المستخدمة في التجارة الخارجية الروسية، لتنتقل من 0,5 في المئة إلى 16 في المئة، ما أدّى إلى انخفاض كبير لحصة اليورو والدولار في الصادرات الروسية (48 في المئة الآن). 

على مستوى الطاقة التي تعد المصدر الرئيسي للتبادل بينهما، سرّعت موسكو وبكين أيضا التقارب بينهما.

ويشير اقتصاديون من معهد التمويل الدولي إلى أن "الصين والهند حلّتا محل الاتحاد الأوروبي كسوقي تصدير رئيسيين" للنفط الروسي، إذ مثلتا "في الربع الرابع من العام 2022، مع تركيا، ثلثي صادرات الخام الروسية.

وتقول نائبة كبير الاقتصاديين في معهد التمويل الدولي، إيلينا رباكوفي، لوكالة فرانس برس "من المهم جداً بالنسبة لروسيا أن تكون قريبة من الصين، لأنّ روسيا ليس لديها الكثير من الأصدقاء التجاريين".

ويشير الخبير في العلاقات الاقتصادية الروسية-الصينية في المدرسة العليا للاقتصاد في موسكو، سيرغي تسيبلاكوف، إلى أنّه في غضون عام واحد "استولت الشركات الصينية على المنافذ التي حرّرتها شركات غربية غادرت روسيا".

وهذه وجهة نظر مشتركة مع آنا كيريفا الباحثة في معهد "ام جي آي ام أو" للعلاقات الدولية في روسيا.

وتقول لوكالة فرانس برس "كان من الضروري العثور على مصادر بديلة للواردات أيضاً، خصوصاً في مجال الآلات والإلكترونيات ومختلف أجزاء ومكوّنات السيارات وغيرها من المركبات".

ولكنّها تضيف أنّ "معظم الشركات الصينية الكبرى المندمجة جيداً في الأسواق الغربية، اختارت وقف أنشطتها في روسيا خوفاً من عقوبات محتملة".

زواج مصلحة أو تحالف اقتصادي دائم؟

يعتبر المحلل تيموثي آش لوكالة فرانس برس أن "بوتين يريد علاقة متوازنة مع الصين، (مثل توأمين)، ولكن الأمر ليس كذلك".

ويقول "ليس لروسيا خيار آخر" سوى اللجوء إلى الصين.

من جهته، يرى الباحث في مؤسسة كارنيغي للأبحاث، تيمور اوماروف، أن الاستقرار الاقتصادي لروسيا "يعتمد على الصين". 

ويقول "إنه يمنح بكين أداة أخرى ووسيلة أخرى للتأثير على روسيا من الداخل".

غير أنّ الكرملين ينفي وجود أي تفاوت.

وقال المساعد الرئاسي، يوري أوشاكوف، للصحفيين "لا يوجد زعيم ولا تابع في العلاقات بين روسيا والصين"، مشيرا إلى "شريكَين يثقان ببعضهما البعض ويتشاركان إلى حدّ كبير الأهداف ذاتها".

"منافسون" 

لا تزال هناك بعض المشاكل اللوجستية التي تعيق تنمية التجارة بين بكين وموسكو.

وفي هذا السياق، تشير كيريفا إلى أنّ خطوط السكك الحديد في أقصى شرق روسيا باتت قديمة وسيستغرق تحديثها بعض الوقت. 

الأمر نفسه ينطبق على البنية التحتية المخصّصة للوقود في هذه المنطقة، مثل ميناء النفط الروسي كوزمينو الواقع على ساحل بحر اليابان.

فضلا عن ذلك، فإن روسيا مضطرة إلى بيع نفطها بأسعار أرخص من المعتاد إلى الصين أو الهند للحفاظ على حجم المبيعات، حسب "فرانس برس".

وباتت عواقب التخفيضات القسرية هذه تظهر على ميزانيتها. فقد تراجعت عائدات النفط بنسبة 42 في المئة على أساس سنوي في فبراير، حسبما أفادت الوكالة الدولية للطاقة.

ويقول تيموثي آش إن وجود عدد أقل من الشركاء يترك روسيا في وضع ضعيف مقارنة بالصين، التي لا تزال منافسا لها.

التاريخ والجغرافيا

يشترك البلدان في حدود يصعب الدفاع عنها ويبلغ طولها 4250 كيلومترا، وفي عام 2004، حسم البلدان خلافا معقدا حول حدودهما، وتم ترسيم الحدود في عام 2008. 

ومنذ أن التقيا لأول مرة كإمبراطوريتين متجاورتين في القرن السابع عشر، تم تحديد العلاقة في كثير من الأحيان من خلال "العداء المتبادل والاشتباكات الدورية العنيفة"، عبر تلك الحدود.

والتي كان آخرها في عام 1969 بين القوات الصينية والسوفياتية، ووقتها كان كلا الجانبين يخشى أن تتصاعد إلى حرب نووية، حسب "التايمز".

ومنذ أن وقع بوتين والرئيس الصيني السابق، جيانغ زيمين، على "معاهدة الصداقة" في عام 2001، كان العلاقات الودية "الاستثناء وليس القاعدة".

وتفضل بكين استمرار بوتين في الحكم عن تولي زعيم جديد السلطة في روسيا، وتخشى أن يسعى ذلك البديل إلى توثيق العلاقات مع الغرب، وهو ما يعد "كابوسا استراتيجيا للصين"، حسب التايمز.

وتشير الصحيفة البريطانية إلى "انخراط الصين في نزاعات إقليمية تتراوح من الحدود الهندية إلى بحر الصين الجنوبي وتايوان".

وهناك "نزاعات جغرافية" بين الصين والدول المجاورة، ومن بينها الهند التي تندلع أحيانا كثيرة اشتباكات على طول حدودها المشتركة في منطقة الهيملايا، واليابان التي تتنازع معها السيطرة على جزر سنكاكو أو دياويو بحسب تسميتها الصينية، والفيليبين التي تشهد بانتظام حوادث مع بكين حول السيادة على جزر في بحر الصين الجنوبي، وفقا لـ"فرانس برس".

تعاون عسكري

التحديث العسكري الصيني السريع، الذي يريد شي أن يكمله بحلول عام 2027، يعتمد أيضا على أنظمة أسلحة متطورة من روسيا.

ووفرت موسكو ما يقدر بنحو 81 بالمئة من الأسلحة الصينية المستوردة في الفترة من 2016 إلى 2021، وفقا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.

في المقابل، توفر الصين لروسيا تكنولوجيا متقدمة مثل "الرقائق الدقيقة"، والتي يمكن أن يكون لها أيضا استخدام عسكري، وهو ما تحتاجه موسكو الآن بشدة، حسب "التايمز".

دوافع مشتركة

شي وبوتين حاكمان مستبدان وكلاهما يقود قوى عظمى راسخة منذ فترة طويلة، مع مقاعد دائمة يرافقها حق النقض في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وهما أيضا ملتزمان ببناء نموذج جديد للعلاقات الدولية خارج فلك الغرب.

ولذلك تخشى بكين تعرض موسكو لـ"هزيمة مذلة في أوكرانيا" قد تخفف قبضة بوتين على السلطة، ما يعني أن واشنطن القوية ستحول انتباهها الكامل إلى الصين، حسب "التايمز".

وتقول الصحيفة البريطانية إن "الصين تفضل نجاة بوتين من الحرب مع نظامه، أو على الأقل إبقاء مكانة روسيا العالمية سليمة".

ما الهدف الحقيقي من الوساطة الصينية؟

يريد الرئيس الصيني أن يقدم نفسه على أنه "رجل دولة عظيم يعمل بلا كلل لدفع السلام العالمي".

ولتعزيز تلك الصورة يسعى الرئيس الصيني لإجراء محادثات مع نظيره الأوكراني بعد وقت قصير من اللقاء مع بوتين، لأن القيام بعكس ذلك من شأنه تأكيد "دعمه روسيا فقط".

ويعلم شي أنه لا يوجد أي احتمال لإجراء محادثات سلام وشيكة بين روسيا وأوكرانيا، لأن كلاهما ليس مستعدا للتنازل ويعتقدان أنهما قادران على الفوز خلال الحرب.

وعندما تفشل جهود الوساطة الصينية، يمكن لبكين "الادعاء بشكل مخادع"، أنها حاولت "حل الأزمة"، على عكس الغرب، الذي استمر فقط في نقل الأسلحة إلى أوكرانيا، حسب الصحيفة البريطانية.

وتقول التايمز" لا يستطيع شي الحصول على كل ما يريده، لكن يمكن أن يظهر على أنه الفائز الأكبر من الحرب".

ما الذي يزيد من إضعاف الموقف الروسي أمام بكين؟

يؤكد آش أنّ "القوّتَين متنافستان أبعد من كونهما حليفتَين مفترضتين"، ويضيف أن "بكين تفضّل أن ترى روسيا ضعيفة حتى تتمكن من استغلالها".

من جهته، يقول تيمور اوماروف "نحن فقط في بداية عملية الاعتماد الاقتصادي الروسي على الصين".

ويضيف "لكن في غضون عدة سنوات أو عقود، يمكن أن تتحول هذه الرافعة الاقتصادية إلى رافعة سياسية أكثر قوة"، حسب ما ذكره لـ"فرانس برس".


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected] | +96176111721
Copyright 2023 © - Elsiyasa