هذا "فايسبُوكُنا" يدلّ علينا

21/08/2024 08:51PM

كتب قزحيا ساسين في "السياسة"

تَكفي ساحة الفايسبوك، عندنا، ليعرف أيّ طالب معرفة كلّ شيء عنّا، مِن الجلوس على كرسيّ الحَمّام، مرورًا بِكُرسيّ الكأس والتبّولة، وصولا إلى كرسيّ "بْعَبْدا"، وما بَعد بَعد كرسيّ "بْعَبْدا".

هذه السّاحة الصّادقة، وعلى سذاجة وغباء في أحيان كثيرة، تُظهِر كم هو لبنان كبير، إلى حدّ أنّه يحتوي على ألف لبنان ولبنان، وتُقنِع بأنّها المَرجع الأوّل لقراءة حقيقتنا، كمشروع شعب ومشروع وطن.

في ساحة الفايسبوك يمتلك الجميع، تقريبا، شجاعة أن يكونوا كما هم. 

فعلى المستوى الدّينيّ، يَظهر فريقٌ، من كلّ دين أو طائفة، وهو متمسّك بِما يؤمن به، ويقوده نحو هذا التّمسُّك أسبابٌ كثيرة، منها الانتماء إلى الأحزاب السياسيّة ذات الخلفيّة الدّينيّة الواحدة، ومنها الالتزام الحقيقيّ إيمانا وممارسةً...

وعلى المستوى السياسيّ، يتوزَّع أهل الساحة الفايسبوكيّة على الأحزاب والتيّارات السياسيّة كلّها. واللافت هو التّعارُض، الذي لا سبيل إلى النّقاش فيه، على عصبيّة، وحقد، وقلّة معرفة، فالكثيرون ينتمون حزبيّا بشكل أمّيّ، وليسوا أكثر من حَمَلَة شِعارات ينشرونها على صفحاتهم...

وفي المُقابل فريقٌ يحاول الظهور مترفّعا عن التعصّب الدينيّ والسياسيّ والتّبعيّة... غير أنّ للكثيرين منه ما يُشبِه الثّأر من الآخَر، والتّعالي، وادّعاء التفوّق الحضاريّ والفكريّ، في حين أنّ الآخرين هم أبناء تاريخ معيَّن، وظروف معيَّنة، والمطلوب هو التلاقي والتحاور وتبادُل وجهات النّظر بين الجميع، بهدف الوصول إلى حدّ أدنى من القواسم المُشترَكة، لإنجاز الخطوة الأولى نحو مجتمع أقلّ تشتُّتا وتمَزُّقًا. 

ويَظهَر فريق، أيضا، يدّعي كشف المستور، وتقييم الأحداث التاريخيّة، بهدف تسخيف معاناة الناس عبر تاريخهم، ويحاول إيهامنا بأنّنا كنّا في وطن علمانيّ، لا يعرف التركيبة الطائفيّة في نشأته، وبأنّ اللبنانيّين اتّجهوا إلى الحرب دفاعا عن زعمائهم، عِلمًا أنّ الذين تزَعّموا بعد الحرب، كانوا، في أغلبيّتهم، في مواقع قياديّة عسكريّة وسياسيّة في وقت واحد، ولم يكونوا زعماء خلال الحرب. وعليه، فإنّ الذين خاضوا الحرب دفاعا عن فكرة ووجود، ودَفعوا حياتهم ثمنًا لقناعاتهم، لم يؤلّهوا الشّخص، إنّما ناضلوا للفكرة.

ويجب أن ننظر بالتساوي والاحترام إلى معاناة اللبنانيّين، على اختلاف آرائهم وعقائدهم، استنادا إلى حقيقة لبنان المتعدّد طائفيّا، والمطلوب منه أن يصير كبيرا سنة ١٩٢٠، بِسحر ساحر. وها قد مرّ قرن على لبنان الكبير لِيبقى وطنا قيدِ التّحقُّق... 

نعم، إنّ ساحة الفايسبوك مُلتَهِبة، وهي في حالة حرب شرسة، ولا يمكن ألّا تكون إلّا هكذا، لأنّها صورة طبْق الأصل عن لبنان اليوم.

ومِن الاستنتاجات البديهيّة أنّ وَطنًا لا يستطيع إنجاز كتاب تاريخ لا يمكن أن يصل إلى وِحدتِه من تشَظِّيه.


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa