كما في طهران كذلك في بيروت: هل ينتحر لبنان مع إيران أم تنتحره فداءً لها؟

05/01/2026 10:30AM

كتبت إليسا الهاشم:


هكذا يريد حكّام لبنان. على قدر ما تآخوا مع الحزب، تبنّوا عقيدته، وصار في وحدة حال ومسار ومصير. مثله يعشقون الانتحار، لكن الفارق أنّه انتحار جماعي… بلا عقيدة وبلا قضية، وبلا حتى وهم الانتصار.

نظام الملالي اليوم عالق بين مطرقة ضربة عسكرية أميركية – إسرائيلية محسومة، لم تعد سؤال “إذا” بل “متى”، وبين سندان السقوط الاقتصادي الحرّ وغليان الشارع في الداخل. إيران محشورة، تُضغط، تُخنق، وتُدفع دفعاً نحو لحظة الحقيقة. وحين يُحاصر الأصل، تُستعمل الفروع وقوداً.

و”عهدي” في لبنان، ومعه حزب الله والجيش والدولة، يقفون في الموقع نفسه، بين مطرقة حرب إسرائيلية مؤكدة وقريبة جداً، وسندان خطر وجود فلول نظام الأسد يسرحون على أرضه، تحت غطاء حزب الله وتمويل إيراني، مع مخيمات تدريب قائمة في الهرمل والبقاع الشمالي وعكار، ومؤشرات انفجار أمني خطير بين لبنان وسوريا. نحن لسنا على حافة الهاوية، نحن داخلها.

في 29 كانون الأول، من مار-آ-لاغو في فلوريدا، أعطى الرئيس دونالد ترامب بنيامين نتنياهو الضوء الأخضر للتعامل مع “مشكلة” حزب الله في لبنان، بعد أن قالها علناً وبلا مواربة: الدولة اللبنانية عاجزة، غير قادرة، وغير راغبة. الرسالة كانت واضحة، قاسية، ومباشرة: انتهى زمن الأعذار.

عاد نتنياهو إلى تل أبيب، وكل التقارير الصادرة من هناك تشير إلى أن المجلس الوزاري الإسرائيلي سيجتمع يوم الخميس لاتخاذ قرار بشأن عملية عسكرية واسعة، جوية وبرية، في لبنان. كل الاستعدادات أُنجزت، كل السيناريوهات وُضعت على الطاولة، والساعة العسكرية لا تنتظر إلا حلول الساعة صفر. الحرب لم تعد احتمالاً سياسياً، بل إجراءً تقنياً مؤجلاً.

وفي هذا السياق، يبرز التحوّل المتسارع في المزاج الأميركي الرسمي. فالسيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، أحد أكثر الأصوات نفوذاً في الكونغرس وأقربها إلى الرئيس دونالد ترامب في ملفات الأمن والسياسة الخارجية، أعلن بوضوح انه "اذا رفض حزب الله التخلي عن اسلحته الثقيلة فعلينا لاحقاً الانخراط بعمليات عسكرية بالتعاون مع لبنان، اسرائيل والولايات المتحدة حيث سنحلق مع اسرائيل كما فعلنا بالهجوم على ايران القضاء على حزب الله. فاما ان يتخلى الحزب طواعية عن اسلحته الثقيلة واما سنشن عملية عسكرية لتحقيق ذلك".

وكان غراهام قد اعلن صراحة ان حماس وحزب الله سيزولان خلال عام 2026، تمهيداً لتطبيع سعودي-إسرائيلي، واصفاً ذلك بأنه “أكبر تغيير في الشرق الأوسط منذ آلاف السنين”. هذا الكلام لا يصدر من هامش السياسة الأميركية، بل من قلب الدائرة المؤثرة في قرار الحرب والسلم في واشنطن.

وفي موازاة ذلك، تتدفّق تقارير مدعومة بالوقائع والأسماء عن وجود قيادات عسكرية رفيعة من نظام الأسد السابق، بقيادة ماهر الأسد، داخل لبنان، تحت حماية حزب الله وتمويل إيراني، مع خطط واضحة لشنّ هجمات على قوات الرئيس السوري أحمد الشرع في الساحل السوري. أضف إلى ذلك مخيماً حديث الإنشاء لحزب الله في الهرمل، قرب الحدود السورية، يُقال إنه يُستخدم لتدريب المجنّدين المعادين للشرع، كثير منهم دخلوا لبنان بصفة “لاجئين سوريين”.

الأخطر من كل ذلك، أنّ الحكومة اللبنانية لم تصدر أي موقف رسمي واضح حيال هذه المعطيات، باستثناء تصريح يتيم لنائب رئيس الحكومة طارق متري، بقي في حدوده الكلامية، ولا يحمل أي وزن سياسي أو أمني يُعتدّ به لدى الدولة السورية.

وفي الأثناء، في لبنان، لدينا رئيس يحاكي “الأشباح”، فيخبرنا أنها غادرت، ثم يتراجع بعد أن أتحف الناس والأميركيين من بكركي بأن “حصر السلاح سيحصل بحسب الظروف”. ومعه نواف سلام، الذي يطلّ علينا يومياً بمصطلحات هجينة مثل “احتواء السلاح”، وبقوله إن “حصر السلاح يعني أن يكون بإمرة الدولة”. أي دولة؟ وأي إمرة؟ هل يعني ضم الجناح العسكري لحزب الله إلى الجيش اللبناني مثلاً؟ أم أن “سلاح حزب الله لبناني”، وبالتالي قرار بقائه أو زواله بيد حضرته لا بيد خامنئي ولاريجاني؟ هذه المواقف لم تعد محرجة فقط، بل باتت مثيرة للضحك… والأصح للاشمئزاز في عيون الخارج.

لبنان اليوم ليس دولة ذات قرار، بل ساحة. ليس طرفاً، بل أداة. يُضغط من فوق بصراعات إقليمية كبرى، ويُسحق من تحت بانهيار داخلي شامل، فيما قيادته تمارس الإنكار، والمراوغة، وتضييع الوقت، وكأن الزمن لا يعمل ضدها.

وفي لبنان أيضاً، وتماشياً مع هذه القيادة، مجتمع شعبي وسياسي وحزبي ساذج، سطحي، منفصل عن الواقع، غافل عن المصائب القادمة من البحر والسماء والبر، متلهٍ بقصص “أبو عمر” ومن تعرّى في ملهى، ومناكفات زواريب ضيقة، في وقت، وفي ظل التحوّلات العميقة في المنطقة من السودان إلى المحيط الهندي، قد يصحو فيه غداً على تفتّت وطن… أو على حقيقة أبشع: لا وطن.


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected] | +96176111721
Copyright 2023 © - Elsiyasa