السقوط

22/01/2026 06:06PM

كتبت اليسا الهاشم:


لم يعد انهيار حزب الله احتمالاً نظرياً أو مادةً للتكهّن، بل بات واقعاً يتكشف يوماً بعد يوم، بوتيرة متسارعة تشبه، بل تكاد تطابق، ما يعيشه «عرّابه» في طهران. نحن أمام تفككٍ متعدد العوامل، داخلي وخارجي، لكن العامل الحاسم أنّ الانهيار يبدو ذاتياً، نابعاً من داخل البنية نفسها، في لحظة ارتباك وفقدان بوصلة غير مسبوقة.


يعيش الحزب اليوم حالة عجز عن قراءة التحولات الكبرى من حوله. قرارات متناقضة، خطاب مرتبك، وخيارات محكومة بإنكار الواقع. هذا التخبط ليس عارضاً، بل علامة أفول واضحة، حين تفقد التنظيمات العقائدية قدرتها على التكيّف، وتتحوّل إلى عبء على نفسها وعلى بيئتها.


داخلياً، يختنق الحزب داخل قاعدته قبل خصومه. شكاوى متصاعدة من شحّ التمويل، ووعود إعادة إعمار لم تتحقق، وتراجع في الخدمات، وانسداد في الأفق المعيشي. صورة التنظيم القادر على «الرعاية» تتهاوى، لتحلّ مكانها صورة كيان عاجز عن الإيفاء بالتزاماته الأساسية.


وفي الإطار الشيعي الأوسع، تتكرّس ملامح شرخٍ سياسي واجتماعي عميق، يكاد يرقى إلى طلاق معلن مع حركة أمل، ومع رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي بات يوجّه رسائل واضحة عبر منابره الإعلامية ومحيطه السياسي، في تعبير صريح عن نفاد الصبر من كلفة الاستمرار في تحالف يستنزف البيئة والطائفة معاً.


بالتوازي، تبرز معارضة شيعية ناشئة تزداد حضوراً، تعبّر عن وجع فئات تُعاقَب لمجرّد انتمائها المذهبي أو الجغرافي. هؤلاء يدفعون أثمان مغامرات لا قرار لهم فيها، ويعبّرون اليوم عن رفضٍ صريح لمنطق السلاح الذي صادر حياتهم ومستقبلهم.


على المستوى اللبناني العام، تنقلب الاصطفافات، وتتداعى التحالفات المرتبطة عضوياً ببوصلة الاخ الاكبر، من رئاسة الدولة إلى حلفاء تاريخيين. وفي المقابل، تقف معارضة لبنانية واسعة مترقبة لحظة التقاء الضغط الدولي مع إرادة داخلية داعمة لاستعادة الدولة، وبسط سيادتها، وتمكين الجيش، وإنهاء مرحلة الخطف السياسي.

خارجياً، اصبح العالم في "اليوم التالي". 


إسرائيل، الإدارة الأميركية، الكونغرس، اللوبيات اللبنانية، وأصدقاء لبنان في أوروبا والعالم العربي، جميعهم جزء من مشهد دولي اعاد ترتيب أولوياته. ما يجري اليوم يتجاوز الضغوط الظرفية إلى ما يُعرف بالنظام العالمي الجديد سواء في إيران أو في لبنان. هناك ترتيبات تُستكمل، وخيارات تُحضّر، والقرار يبدو أقرب إلى كونه مسألة توقيت.


مالياً، يختنق الحزب تحت حصار يقطع شرايين التمويل من أميركا اللاتينية إلى أفريقيا، مع ملاحقة دقيقة لشبكات تبييض الأموال ومساراتها. نموذج الانهيارات المعزولة لم يعد قائماً؛ إنها عملية تجفيف منهجية.


عسكرياً، فقد الحزب قدرته على الردع. سلاحه غير الشرعي بات عبئاً، لا يغيّر المعادلات ولا يحمي السرديات. لا هو قادر على مواجهة إسرائيل التي تستنزف بنيته المعنوية والمادية يوماً بعد يوم، ولا هو قادر على فرض شروط سياسية في الداخل. ومع غياب قيادته السابقة، سقطت آخر ركائز الكاريزما مع سقوط حسن نصرالله، وعجزت القيادة الحالية المتمثلة بنعيم قاسم عن ملء الفراغ أو إنتاج شرعية بديلة.


الأخطر أنّ الحزب رفض كل الدعوات إلى إعادة دمج نفسه في العقد الاجتماعي اللبناني، ضمن الدستور والتوافق الوطني. وبهذا الخيار، وضع نفسه خارج الإجماع الداخلي، وبات وحيداً في مواجهة واقع جديد. وسيزداد وحدةً إذا ما انزلق إلى أي مغامرة عسكرية مقبلة مرتبطة بإيران، في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. لقد أصبح مكشوفاً ومفلساً، سياسياً ومالياً ومعنوياً، إلى حدّ أنّ صورته التمثيلية تختزل اليوم بشخصيات فاقدة للوزن والمصداقية.


في العمق، لا يسقط حزب فقط، بل تسقط سردية كاملة: خرافة الولي الفقيه، أسطورة السلاح الحامي، وإمبراطوريات المخدرات وغسيل الأموال. نحن أمام إقفال حقبة مظلمة من تاريخ لبنان والمنطقة، وبالتوازي، بداية خروج الضوء من داخل هذه التصدعات، إيذاناً بإمكان قيام دولة وسلام حقيقيين.


الخلاصة واضحة: اللعبة انتهت. سيادة الدولة قرار، وقد اتُّخذ ولا رجعة عنه. إنها حقيقة وأمر واقع. على الحزب أن يتقبّلها، أو أن يواصل نهجه الانتحاري ويأخذ نفسه إلى الهاوية، لكن هذه المرّة وحيداً. وكما يقول المثل الإنكليزي الرحلة المقبلة: one-way ticket على امل الا يتجرأ على العودة الى الإغتيالات والتفجيرات في الداخل في معرض تنفيذ فتوى الولي الفقيه التي امرته بالجهاد.



شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected] | +96176111721
Copyright 2023 © - Elsiyasa