البقاع الشمالي: انتخابات بلا حرارة… ونتائج شبه محسومة

07:07AM

كتب طارق الحجيري في “المدن”:

بغضّ النظر عن تأجيل الانتخابات أو حصولها في موعدها، لا تزال أجواء الاستحقاق النيابي في البقاع الشمالي باردة، كأنه لا يعني أهل المنطقة مباشرة. ففي المدن والبلدات والقرى لا حماسة ظاهرة، لا مرشحين فعليين، ولا لقاءات عائلية، ولا حملات انتخابية. الصور واللافتات غائبة، والناس يتابعون أخبار الاستحقاق على استحياء، فيما اهتمامهم يتركّز  على العمل وسُبُل الرزق وأسعار المحروقات.

في جولة في محافظة بعلبك – الهرمل يظهر جليًا أن السباق الانتخابي لم يبدأ بعد. الناخبون أدمنوا الاصطفاف الحاد، ويتعاملون مع الانتخابات بوصفها تكريسًا للأمر الواقع، لا مناسبة من أجل اختيار الأكفأ والأنسب، على أساس البرامج الواقعية والقدرة على ملامسة احتياجاتهم اليومية وتلبيتها.

الثنائي الشيعي: تحشيد عقائدي

تتمثل الطائفة الشيعية (حوالي 255 ألف ناخب) بستة مقاعد، أربعة منها من حصة حزب الله، فيما يمثل النائب غازي زعيتر حركة أمل، ويشغل المقعد السادس النائب جميل السيد. ووسط همسٍ عن عدم إدراج السيد على لائحة الثنائي، وعدم وضوح اسم البديل، يدخل الثنائي الشيعي الاستحقاق المقبل بهدوء ورويّة. فهو واثق من النتائج ومن قدراته على التجيير. 

الماكينات الانتخابية جاهزة، والأسماء شبه محسومة، في بيئة معبّأة سلفًا. غير أن هذا الاطمئنان لا يخفي هموم الناس المعيشية المتراكمة. الخطاب الانتخابي نفسه يترسّخ ويتكرّر، عنوانه ومضمونه “السلاح رمز الوجود” يُصوّر كأولوية، ويتقدّم على أي ملف آخر، معيشي أو اقتصادي أو اجتماعي.

يؤكد مصدر في حركة أمل لـ”المدن” أنّ “الأهالي يشاركون بدافع الالتزام والولاء أكثر من أي اعتبار آخر”. ويتابع: “أهلنا يسبقوننا دائمًا، ينتخبون لائحة الثنائي لأنها خيارهم الوحيد، ولا خيار سواها ولن يكون، والعين على صون المقاعد الستة”.

عند كل استحقاق، ينجح الخطاب التعبوي في ضبط الشارع أكثر ويزيده لحمة. لكن هذه التعبئة، بحسب المحامي فراس علّام، “لا تُغطي الإنهاك المتزايد في بيئة فقدت أبناءها وبيوتها وأرزاقها”. ويرى أن الفوز شبه مضمون، والخرق قد لا يتجاوز المقعدين. لكن” يبقى السؤال من يطمئن الناس إلى قدرة هذه السياسة على تحسين حياتهم؟”.

القوات: مقعدها ثابت

تتمثّل الطائفة المسيحية (حوالي 46 ألف ناخب) بمقعدين، ماروني يشغله النائب القواتي أنطوان حبشي، وآخر كاثوليكي للتيار الوطني الحر يشغله النائب سامر التوم، حليف حزب الله.

شعبيًا، تحافظ القوات اللبنانية على حضورها الوازن داخل مجتمعها. فهي تعرف تفاصيله جيدًا. ورغم الحجم المسيحي الصغير نسبياً، يظل من المستحيل إلغاؤها. فهي تحافظ على حاصلها، وتنتظر جلاء التحالفات لإحداث خرق ثانٍ، كما حصل عام 2018، فيما يبقى مقعد التيار الوطني الحر مرهونًا بتحالفه مع الثنائي الشيعي للحفاظ عليه أو استبداله بمرشح آخر.

خطاب القوات، كما يقول حبشي، لم يتغيّر منذ قرارها تسليم السلاح والتوجّه نحو بناء الدولة. وتكرّس أكثر مع ثورة الأرز في 14 آذار. وهو إذ يعيد سبب البرود الى واقع المنطقة المعروف، يؤكد أن “النهج السيادي للقوات ليس برنامجًا انتخابيًا، بل هو إيمان والتزام يترسخان يومًا بعد يوم في سبيل بناء دولة فعلية”.

يجد هذا الخطاب صداه الواسع في الشارع المسيحي، ويلامس تطلعات الشارع السني، فيما يندر في الشارع الشيعي، وينحصر ببعض الأفراد والشخصيات الساعية إلى التغيير. لكنه لم يتحوّل إلى حركة شعبية، وبقي كحالة تسجيل موقف سياسي ثابت بلا تأثير فعلي في الخريطة الانتخابية.

الصوت السني.. العين على الشام

أما سنيًا (حوالي 48 ألف ناخب) فيتمثل البقاع الشمالي بمقعدين سنيين، يشغلهما نائبا حزب الله ينال صلح وملحم الحجيري. ومع الحديث عن إعادة ترشيح صلح، تبقى العين على المقعد الثاني، في ظل تنامي الحديث عن تركه لشخصية قريبة من المستقبل، بهدف قطع الطريق على تكرار تحالف 2018 وإحداث أكثر من خرق.

الشارع السني عاش مرحلة ضبابية وعدم وضوح في الرؤية. فمع غياب تيار المستقبل عام 2022 وعدم ظهور بديل محلي قادر على لملمة الشارع وتقديم خيار سياسي جامع، دخل سنّة بعلبك – الهرمل مرحلة انعدام وزن سياسي، ولمسوا أكثر من غيرهم حالة “اليُتم والإحباط”.

 غير أنّه بعد سقوط نظام البعث وهروب بشار الأسد، انقلبت الموازين، وتغيّر مزاج الناخب السني، فبات يتلمّس حالة معنوية إيجابية ويطمح إلى استعادة الدور المسلوب.

في مدينة بعلبك والبلدات السنية، ورغم البرود السياسي القائم، يميل كثيرون إلى المشاركة بكثافة، بحسب ما يقول المرشح الوحيد الذي أعلن ترشحه حسين أحمد الحجيري لـ”المدن”. ويرى أن “مقاطعة الاستحقاق كانت خطأ، ماذا جنينا منها وماذا أنتجت؟”، ويعتبر أن عدم المشاركة حينها ربما كان “تعبيرًا عن فقدان الثقة أو حالة انكسار سياسي لم تعد قائمة اليوم”. ويضيف أن “التحالف السني – المسيحي – القواتي مع المستقلين الشيعة، إذا تأمّن نصف جو انتخابي نزيه، قد يصبح قادرًا على الخرق بثلاثة مقاعد، أحدها شيعي”.

فراغ المرحلة السابقة عمّق اختلال التوازن وشعور الغبن لدى سنة بعلبك – الهرمل، بحسب الناشط السياسي مالك العرب، التي يقول لـِ “المدن: “تلك المرحلة انتهت، واليوم إلى مشاركة فعلية واستعادة زمام المبادرة”. ويرى أن المقاطعة تعيد إنتاج المشهد نفسه من دون أي تعديل فعلي في الواقع السياسي، فيما “المطلوب المشاركة، طلبًا للشراكة ورفضًا للاستتباع والسطو على حقوقنا”.

استحقاق بلا رهانات

في المحصلة لا يبدو استحقاق البقاع الشمالي محطة فعلية للتغيير نحو الأفضل. فالانتخابات هنا هي أقرب إلى تثبيتٍ للواقع القائم، نتائج شبه محسومة، غياب برامج فعلية، محاسبة معدومة، وشارع يشارك مُسيّرًا بلا أوهام كبيرة.

الاستحقاق النيابي المقبل ليس محطة تمثيلية فقط، بل وسيلة  حقوقية معنوية لتجديد الحياة السياسية. لكن المشكلة تكمن في التخلي عن ممارسة الانتخاب كحق فردي وأداة للمحاسبة والمساءلة، في بلدٍ يستمر عالقًا بين ما كان وسيكون وما لم يكن بعد.


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected] | +96176111721
Copyright 2023 © - Elsiyasa