14 شباط... رفيق الحريري مشروعٌ قُتل وسعد الحريري وصيّ الحقيقة

10:45AM

كتب رمال أبي يونس:


في الرابع عشر من شباط، لا يمرّ عيد الحب على لبنان كما يمرّ على العالم، هنا للحبّ وجهٌ آخر… 

وجه رجل اسمه رفيق الحريري.

رفيق الحريري لم يكن مجرّد رئيس حكومة ورجل دولة، بل كان فكرة. فكرة أن هذا البلد الصغير يستحق أن يُبنى لا أن يُدار على أنقاضه، وأن بيروت خُلِقت لتنهض مهما تدمرت. أعاد إعمار العاصمة لا بالحجر فقط، بل بالثقة، بالجامعة، بالمدرسة، بالمستشفى، وبيدٍ امتدّت لكل لبناني من دون سؤال عن طائفة أو انتماء.

كان إنسانيا بصمت، كريما بلا استعراض، يؤمن أن التعليم هو الطريق الأقصر إلى الكرامة، وأن الدولة لا تقوم إلا إذا شعر الفقير أنها له كما الغني. حمل بيروت في قلبه، فحملته شهيد في قلبها.

وفي يومٍ خُصّص عالميا للحب، اختار القدر أن يسرق من لبنان رجلا أحبّه بصدق… ليبقى 14 شباط موعدا سنويا بين الوردة والدم، بين الذكرى والوجع، وبين رجلٍ استشهد لأنّه أحبّ لبنان أكثر مما يحتمل هذا البلد مؤمنا بمقولته الشهيرة: 

لو دامت لغيرك لما وصلت إليك.

ففي لبنان، بعض التواريخ لا تمرّ على التقويم، بل تمرّ على الجرح، فالرابع عشر من شباط ليس عيد حبّ عاديا، بل موعد سنويّ يتقاطع فيه العشق بالدم، والوردة بالانفجار، والوفاء بالسؤال الكبير: ماذا بعد رفيق الحريري؟

بعد 21 عاما على اغتيال رفيق الحريري، يعود 14 شباط هذا العام محمّلا بإشارات سياسية ثقيلة. سعد الحريري الحاضر بالقرار ولكنه الغائب عن الترشّح، فالمعطيات المتداولة تشير إلى توجيهات واضحة أعطاها سعد الحريري لـ تيار المستقبل بالبدء بالتحضير للانتخابات النيابية المقبلة كما بات معروفا، مع تثبيت موقفه الشخصي بالبقاء خارج السباق الانتخابي وعدم العودة إلى العمل السياسي المباشر.

هذه المعادلة ليست انسحابا ولا عودة. بل إنها إدارة عن بُعد، أو إن صحّ التعبير: عودة التيار بلا عودة الزعيم

لكن هل يكفي هذا التوازن في شارع سنّي يعيش فراغ القيادة، وقلق الهوية، وتشتّت البوصلة، وحبّ بلا بديل وغضب بلا قيادة وهو اليوم في حالة حاجة ماسّة إلى لملمة الصفوف. 

مع أن العاطفة الشعبية لا تزال تميل إلى سعد الحريري، لا لأنه حاضر سياسيا، بل لأنه ما زال يمثّل آخر صورة جامعة لقيادة سنّية وطنية عابرة للمناطق، بالرغم من محاولات بهاء الحريري لاختراق هذا الشارع ولكنها فشلت، فخطابه لم يلامس الوجدان، ومشروعه لم يتحوّل إلى ثقة، والشارع لم يشترِ التجربة لكن الأخطر ليس الفشل… بل ما يُقال عن البدائل.

ولا تكتمل صورة رفيق الحريري من دون التوقّف عند اسمٍ شكّل امتدادا هادئا لمدرسته، وحمل العبء حين غاب الصوت الأكبر.. بهية الحريري

فهي لم تكن ظلًّا سياسيا، بل حضورا ثابتا في أصعب المراحل. أدارت السياسة بعقلٍ بارد وقلبٍ اجتماعي، وحملت همّ الناس يوم تراجع كثيرون خطوة إلى الوراء. في صيدا، لم تكن نائبة فقط، بل مرجعية إنسانية واجتماعية، مدرسة مفتوحة، وملاذا للفقراء والطلاب وأبناء المدينة من دون تمييز. اختارت العمل بصمت، وفضّلت الإنجاز على الخطاب، فبقي اسمها مرتبطا بالاستقرار لا بالاستفزاز، وبالجمع لا بالانقسام.

وترشّحها هذه المرّة لا يُقرأ  كعودة شخصية، بل كرسالة سياسية واضحة: التيار لم يمت، والمدرسة مستمرة، والوفاء لرفيق الحريري ليس ذكرى سنوية بل فعلا سياسيا واجتماعيا متواصلا وهي تمثّل خيار العقل في زمن الضجيج، وخيار الثبات في زمن التقلّبات، ووجودها في الاستحقاق المقبل يعيد التوازن إلى شارعٍ يحتاج رموزا لا تبحث عن الضوء، بل عن المعنى.

أما إن حللنا بلغة السوق ما يٌسوَق ل أحمد الحريري عن عقد إجتماعات سرية قد حصلت مع حزب الله في محاولة لبحث تحالفٍ ما وبعدها النفي الذي صدر عن الحريري والتأكيد الذي أتى من الحزب، فنحن هنا لا نتحدّث عن تكتيك انتخابي عابر، نحن أمام خطّ أحمر سياسي وأخلاقي: كيف يمكن لأي جهة محسوبة على إرث رفيق الحريري أن تفتح باب التحالف مع حزب اتّهمت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان أفرادا منه باغتيال الشهيد؟

فإن حصل هذا التحالف، فهو لا يضرب التيار فقط، بل ينسف المعنى الرمزي لدم 14 شباط، ويحوّل الذكرى من قضية عدالة إلى صفقة أرقام.

وبالحديث عن دور السنية السياسية فعودة تيار المستقبل إلى العمل السياسي حتى من دون سعد الحريري مرشّحا، ستشكّل ضغطا حقيقيا على باقي المرجعيات السنّية ليس خوفا من شخص، بل من رمز كبير مازال الشارع السني يهتف بإسمه ويبايع إبنه، فتيار المستقبل حين يتحرّك، يذكّر الجميع بأن الشرعية الشعبية لا تُصنَع بالفراغ وأن الشهيد رفيق الحريري بغيابه وبحضوره من خلال سعد كان وما يزال مخلصا ووفيا لأقصى الحدود للوطن والمواطن.

أما عن دار الإفتاء صمام الأمان هي ليست بلاعب سياسي، بل هي على مسافة واحدة من الجميع، محافظة على دورها كمرجعية جامعة لا طرفا في الصراع لكن موقفها المعنوي مهم: أي دعوة لوحدة الصف، وأي رفض للفتنة، سيُقرأ كرسالة ضمنية حول خطورة العبث بالساحة السنّية.

ولكن بعد هذا كله ماذا سيحمل خطاب الرئيس سعيد الحريري في طياته وما هي الرسائل التي سيوجهها في ذكرى ال 26 ؟

فبرأي خطاب سعد الحريري لن يكون خطاب حشدٍ انتخابي، ولا عودةً كلاسيكية إلى المنبر. سيكون خطاب وزنٍ سياسي، محسوب بالكلمة، ومشحون بالرسائل أكثر مما هو مليء بالوعود، و خطاب من يعرف أن الصمت الطويل جعل كل جملة تُوزَن بالذهب… أو بالدم.

سيبدأ من رفيق الحريري، لا بوصفه شهيدا فقط، بل مشروع دولة قُطع في منتصف الطريق، وسعد سيرفع الصوت، ليُعيد تثبيت المعادلة الأخطر لا عدالة بلا حقيقة، ولا سياسة بلا أخلاق، ولا مستقبل بلا دولة، وسيحرص على ربط 14 شباط بـ”الحب الحقيقي”: حبّ لبنان، لا حبّ السلطة وسيوجّه رسالة واضحة بأن دم والده ليس مادة للتفاوض، ولا رصيدا للاستثمار، ولا جسرا لعبور الصفقات.

والى جمهوره فسيتوجه اليهم بما معناه أنا لست غائبا عنكم، لكنني اخترت موقعا مختلفا وسيركّز على وحدة الصف السنّي، وعلى خطورة التشرذم، من دون أن يسمّي خصوما أو بدائل، وسيمنح الشارع طمأنينة معنوية وان التيار موجود، المدرسة موجودة، والقرار لن يُترك للفراغ وهو خطاب احتواء، لا تعبئة وشدّ عصب هادئ، لا تحريض.

أما داخليا، فالخطاب سيكون أشبه بـ دستور سياسي للمرحلة المقبلة فلا تحالف مع من يتناقض مع دم رفيق الحريري، لا مساومة على السيادة، ولا انزلاق إلى صفقات تُفقد التيار هويته، وسعد سيعيد رسم الخط الأحمر، من دون أن يرفع سيف المحاسبة علنا، لكن الرسالة ستصل من يخرج عن هذا الخط، يخرج من المعنى قبل التنظيم.

وبالنسبة الى أخصامه فسيقوم بتذكيرهم بالدولة، الشرعية، السلاح، والعدالة والقرار الوطني الجامع تحت حكم الدولة ولا الدويلة، وسيترك للناس أن تصل إلى الاستنتاج وحدها، فخطابه لا يستفز، لكنه لا يهادن هدوء يشبه العاصفة المؤجّلة.

أما للمملكة العربية السعودية ولدولة الإمارات أرض الخير والتسامح فإحترام القرار لا كسره هو واجب، وسيحرص على نبرة متوازنة لا تحدٍّ، لا طلب دعم، ولا تصعيد، وسيؤكد أنه يحترم خيارات الدول العربية، ويضع مصلحة لبنان أولًا، ويُبقي الباب مفتوحا من دون طرقه بعنف والرسالة مفادها أنا لا أحرجكم… لكنني لا أتنكّر لتاريخي.

أما إلى رجالات الطائفة فالرمز لم يسقط والرسالة غير مباشرة لكنها قاسية بهدوئها، والشرعية الشعبية لا تُورَّث بالفراغ، ولا تُصنَع بالمناصب ووجود سعد، ولو من خارج الترشّح، يعيد ترتيب الأحجام، ويذكّر الجميع بأن الزعامة ليست صدفة إدارية.

في النهاية خطاب سعد الحريري 14 شباط لن يكون إعلان ترشّح، ولا اعتزالا جديدا بل سيكون تثبيت موقع زعيم يعرف متى يتقدّم، ومتى يترك ظله يتكلم عنه، وهو خطاب يقول للجميع أنا هنا لكن على حسب رؤيتي واستراتيجيتي التي أرسمها للبنان.

في 14 شباط سنقف أمام اسم رفيق الحريري كمن يقف أمام وطنٍ لم يكتمل، أمام تاريخ جرحٍ تعلّم أن يعيش مفتوحا بلا ضماد، نحبّ في هذا اليوم، لكننا نحبّ بحذر، لأن الحبّ في لبنان تعلّم أن يُغتال، والزمن يمضي، وتتبدّل الوجوه، وتتغيّر التحالفات، لكن شيئا واحدا لا يشيخ...

وجع الحقيقة المؤجّلة، وحنين الناس إلى دولة كان اسمها رفيق الحريري.

أما سعد، فيبقى شاهدا صامتا، يحمل الإرث لا كامتياز، بل كعبءٍ ثقيل، عبء أن تحبّ وطنا لم يعرف كيف يحمي من أحبّه

وهكذا ينتهي 14 شباط كل عام، بوردةٍ حمراء على الضريح، وليست مجرد علامة حبٍّ أزلي، بل تذكير قاسٍ بأن الأحمر ليس لون العشق فقط، بل لون الدم الذي ما زال يجري حبّا في قلوب محبّي رفيق الحريري، ولون الإستشهاد الذي صبغ الذاكرة واستقرّ في العقول وهو لونٌ لن تمحيه ألوان الأرض كلّها.

وتبقى الغصَة في القلب، والحزن لا يهاجر، والوجع يتقن البقاء، ويبقى السؤال، كما في كل عام، معلّقا بلا رحمة، بلا جواب

هل كان ذنب رفيق الحريري… أنه أحبّ لبنان أكثر ممّا يحتمل؟


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa