حصرية السلاح تدخل مرحلتها الحاسمة

07:08AM

كتب داود رمال في نداء الوطن: 

شكّل التقرير الشهري الذي عرضه قائد الجيش أمام مجلس الوزراء محطة أساسية في مسار تثبيت حصرية السلاح بيد الدولة، لأنه رسم بوضوح معالم المرحلة الثانية من هذه العملية التي تقوم على تثبيت السيطرة الشاملة ومنع الانزلاق إلى مواجهة عسكرية جديدة قد تكون مدمّرة. وقد عكس العرض توجهًا استراتيجيًا بأن الأولوية المطلقة هي الحفاظ على السلم الأهلي، بالتوازي مع استكمال بسط سلطة الدولة تدريجيًا وفق خطة مدروسة تأخذ في الاعتبار التعقيدات الميدانية والسياسية واللوجستية التي تحكم هذا المسار.

تؤكد المعطيات التي جرى تقديمها أن الخطة التي ينفذها الجيش تسير وفق مسار تصاعدي ثابت، وأن التقدم على الأرض فعلي يترجم من خلال السيطرة العملانية وتوسيع نطاق انتشار الوحدات العسكرية وتعزيز حضورها في النقاط الاستراتيجية. وفي هذا السياق، تبرز نقطة أساسية تشكل محور نقاش مع الجانب الأميركي وبعض الدول المعنية، وهي عامل الوقت، إذ ثمة مقاربة خارجية ترى أن تسريع التنفيذ يجب أن يكون أولوية، فيما يؤكد لبنان أن نجاح المهمة لا يمكن اختزاله ضمن جدول زمني جامد أو ضغوط زمنية، لأن المعايير العملانية والأمنية والواقعية تفرض إيقاعًا مختلفًا تحكمه الوقائع الميدانية وليس التقديرات النظرية.

وفي هذا الإطار، يميّز المسؤولون اللبنانيون بين مفهوم البطء ومفهوم التباطؤ، فالبطء في بعض المراحل قد يكون نتيجة طبيعية لعوامل موضوعية تتعلق بطبيعة الأرض، وبالحاجة إلى تثبيت الاستقرار، وبالإمكانات المتوافرة، وبالحرص على عدم خلق أي اهتزاز أمني أو سياسي، في حين أن التباطؤ يفترض وجود قرار ذاتي بتأخير التنفيذ، وهو أمر تؤكد الدولة أنه غير قائم. فالقرار السياسي والعسكري واضح وحاسم بالمضي قدمًا في تنفيذ الخطة، لكن ضمن مقاربة واقعية تحمي الاستقرار وتضمن نجاح المهمة بشكل مستدام وليس مرحليًا.

وتتداخل في هذا السياق عوامل خارجية أثرت على وتيرة التنفيذ، وفي مقدمتها تعطل عمل الآليات الدولية المعنية بالتنسيق في أكثر من محطة (الميكانيزم)، إضافة إلى تأخير توفير الدعم اللازم للجيش الذي يشكل شرطًا أساسيًا لاستكمال الانتشار وتثبيت السيطرة. كما أن تأجيل مواعيد مرتبطة بتعزيز قدرات الجيش، وصولًا إلى الاستحقاقات المنتظرة في مطلع آذار، ساهم في فرض إيقاع أبطأ من المتوقع، لكن هذه العوامل تبقى خارج إرادة الدولة اللبنانية، التي اتخذت قرارًا نهائيًا بالمضي في تنفيذ الخطة وعدم التراجع عنها تحت أي ظرف.

وفي موازاة ذلك، تبرز في بعض الأوساط السياسية والإعلامية قراءات تتحدث عن توزيع أدوار بين رئاسة الجمهورية و"حزب الله"، بحيث تعبّر كل جهة عن موقف مختلف في الشكل لكنه منسجم في المضمون، إلا أن الحكم الفعلي على هذه المزاعم يبقى في الميدان، حيث تشير الوقائع إلى أن الجيش يواصل تنفيذ خطته بشكل يومي ومنهجي، وأن السيطرة العملانية جنوب الليطاني أصبحت أمرًا واقعًا ومعترفًا به من مختلف الجهات المعنية. هذه السيطرة لا تعني فقط الانتشار العسكري، بل القدرة الفعلية على الإمساك بالأرض وضبط الوضع الأمني ومنع أي خروقات أو استخدام للقوة خارج إطار الدولة.

ورغم أن المنطقة لا تزال تحتوي على رواسب ومخلفات الحرب التي تحتاج إلى وقت لمعالجتها، فإن المؤشر الأهم على نجاح الخطة يتمثل في واقع ميداني ثابت منذ 27 تشرين الثاني 2024 وحتى اليوم، حيث لم تُسجل أي حادثة إطلاق نار، وهو تطور يعكس مستوى السيطرة الذي تحقق ويؤكد أن الجيش نجح في فرض معادلة أمنية جديدة قائمة على الاستقرار الكامل ومنع أي انزلاق نحو التصعيد.

وتكتسب المعطيات أهمية إضافية لأن السيطرة العملانية، عندما تصبح ثابتة مع مرور الوقت، تتحول إلى واقع يتيح تنفيذ المهمة ما يفتح الباب أمام تثبيت حصرية السلاح بشكل فعلي وليس بشكل نظري. غير أن تحقيق الهدف يبقى مرتبطًا بتأمين الإمكانات للجيش، سواء من حيث العتاد أو التمويل أو الدعم اللوجستي، لأن تثبيت السيطرة يتطلب استدامة القدرة العملانية وليس الاقتصار على تحقيق إنجاز مرحلي.

في ضوء ذلك، يمكن القول: القرار متخذ، والخطة مستمرة، والسيطرة تتعزز تدريجيًا، فيما يبقى التحدي الأساسي مرتبطًا بتوفير الظروف اللازمة لترسيخ هذا الواقع بشكل نهائي، بما يحمي لبنان من أي انزلاق جديد نحو الحرب ويؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الاستقرار وسيادة الدولة الكاملة على أراضيها.


المصدر : نداء الوطن

شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa