مجلس غزّة للسلام: إنذار اخير وديناصورات السياسة في بيروت أمام اختبار الفهم

04:48PM

كتبت إليسا الهاشم:

في19 شباط، انعقد في واشنطن الاجتماع الأول لـ«مجلس غزّة للسلام» بمبادرة من الرئيسدونالد ترامب، في إطار مسار سياسي-تنفيذي لمرحلة ما بعد الحرب. لم يكن اجتماعاًخطابياً، بل ورشة عمل سياسية واستراتيجية لتحديد مسار ملموس: خطة مرحلية، لجانمتابعة، وتعهدات أولية لإطلاق إعادة الإعمار وبناء إدارة مدنية انتقالية للقطاع.

الواقعةالأبرز لم تكن في الشكل، بل في التمثيل. لم يحضر أي إطار فلسطيني تقليدي: لاالسلطة الفلسطينية، ولا حركة فتح، ولا حركة حماس، ولا حركة الجهاد الإسلامي.التمثيل اقتصر على الدكتور علي شعث، بصفته رئيس «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» ذاتالطابع المدني-التقني. في مداخلته، عرض «خطة المئة يوم الأولى» مركّزاً على إعادةتشغيل البنية التحتية، وضبط الخدمات الأساسية، وبناء حوكمة انتقالية “بعيداً عنالسلاح ومنطق الفصائل”.

هذاالتحوّل في نوعية الحضور ولغته كان لافتاً بحد ذاته. مجلس يبحث مستقبل غزة من دونالفصائل التي حكمت المشهد لعقود، وبمقاربة تقدّم الإدارة والاقتصاد علىالأيديولوجيا. والأكثر إثارة للانتباه كان كلام ترامب عن «الحكم الذاتي في غزة»؛طرحٌ يشي بتوجّه لفصل القطاع نهائياً عن الضفة، وربما مؤشر إلى إقفال عملي لملفحلّ الدولتين بصيغته الكلاسيكية.

هلانتبه المسؤولون في بيروت الى أن الرئيس ترامب قال أيضاً خلال كلمته: "عليناأن نحل مشكلة لبنان."

هذهالعبارة ليست مجرد تعليق جانبي، بل مؤشر على المعيار الذي يطبّقه المجلس: لبنان،مثل غزة، يخضع للتقييم على أساس الإنجاز والقدرة على التقدّم، لا على شعارات أوأيديولوجيا قديمة.

هنايكمن الإنذار المبكر.

المنطقةلم تعد تُدار بقواعد اللعبة القديمة، تلك التي كانت سائدة قبل 7 تشرين الأول، ولابقوة الردع كما كانت تُقرأ قبل 12 حزيران 2025. التوازنات تبدّلت، وسقف التسوياتتغيّر، ومن بقي متحجّراً في معادلات الأمس يخاطر بأن يُستبعَد من ترتيبات الغد. فيلبنان أيضاً، لا يزال جزء من الطبقة السياسية أسير عقلية ما قبل “أيلول البايجر” ،أي ما قبل سلسلة التحوّلات الأمنية والسياسية التي كسرت إيقاع الجمود وفرضتإيقاعاً مختلفاً على الداخل والخارج. من جلس على الطاولة سيكون وجوهاً جديدةوعقلية جديدة من الذين يفكرون outside the box ويفهمون اللعبة كما هي، لا كما كانت.

المجموعةالخماسية التي تضم الولايات المتحدة، فرنسا، السعودية، قطر، مصر ، لم تعد تُخفيضيقها من سياسة المراوحة في بيروت. الدعم بات مشروطاً بخطوات ملموسة، لا بتعهّداتعامة. الأكثر سلبية وتشدداً من قرار الحكومة كان الموقف الأميركي والسعودي. تشيرالمصادر إلى مشاركة محدودة في اجتماع القاهرة التحضيري، ومستوى منخفض في مؤتمرباريس، مع اقتراح بخفض مستوى المساعدات العسكرية الأميركية والقطرية في حال عدمقيام الجيش بخطوات جدية للمرحلة الثانية قبل تموز المقبل. والقرارات الحكوميةالأخيرة، سواء في مقاربة ملف السلاح أو في السياسات المالية أو في إدارةالاستحقاقات، لم تُقرأ خارجياً كبراغماتية، بل كدليل على غياب رؤية استراتيجيةوضعف.

ملفسلاح حزب الله لم يعد تفصيلاً داخلياً. هو جزء من صورة إقليمية أوسع تُعادصياغتها. الاجتماعات التحضيرية لمؤتمر دعم الجيش في باريس ستقاس بمؤشرات واضحة:تقدّم فعلي في حصر القرار الأمني بيد الدولة، وضوح في التموضع، وجرأة في اتخاذالقرار. أما الغموض أو انتظار «ما ستفعله إسرائيل» فسيُترجم مزيداً من الضغط،وربما تراجعاً في مستوى الثقة والتمثيل.

الرسالةمن مجلس غزّة كانت عملية، من يقدّم مشروع استقرار مدني ويستوعب قواعد اللعبةالجديدة سيجلس إلى الطاولة. من يبقى متحجّراً في سرديات ما قبل 7 تشرين الأول، أويراهن على معادلات ردع انتهت صلاحيتها، سيجد نفسه خارجها. في السياسة، لا أحديُستبعَد بقرار فجائي؛ يُستبعَد حين يعجز عن قراءة التحوّل.

لبنانأمام لحظة مفصلية. إمّا أن تنتقل نخبته من إدارة التوازنات الصغيرة إلى صياغةاستراتيجية دولة، وإمّا أن يُعاد رسم المشهد الإقليمي بوجوه جديدة وعقلية جديدة،من يفكرون outside the box ويفهمون اللعبة كما هي، لا كما كانت.

مجلسغزّة للسلام كان مرآة إقليمية. والسؤال الحقيقي ليس إن كانت ديناصورات السياسة فيبيروت قد انزعجت او اهتزت، بل إن كانت تدرك أنّ البقاء في زمنٍ تغيّرت قواعدهيتطلّب تغييراً في الذهنية قبل المواقع.

شركاءالمستقبل لن يكونون إلا من يفهم قواعد اللعبة الجديدة.


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa