لبنان من عبد الناصر الى الخامنئي "جونيور"

13/03/2026 03:00PM

كتب د. ألان عقل: 

منذ أكثر من مئة عام، سطع نجم فيصل بن الحسين كملكٍ على المملكة السورية العربية، التي كان ينوي أن يضمّ لبنان إليها. ولدى مروره في بيروت، استقبله الأهالي استقبال المخلّص، في حين كان جزءٌ آخر من اللبنانيين، وتحديداً الموارنة، يسعون الى تأسيس لبنان الكبير بدعمٍ فرنسي. وبعد إعلان الدولة المذكورة من قصر الصنوبر عام 1920، وعلى الرغم من إعلان استقلالها سنة 1943، لم تقتنع شريحة واسعة من اللبنانيين بحدودها، شكلها، نظامها وهويّتها. وللأمانة، إنني أتفهّم شعورهم مع كتابة هذه السطور بعد مرور أكثر من قرن.

وبعد فيصل، سطع نجم جمال عبد الناصر في الخمسينيات، فرأى فيه العرب القائد العظيم واعتبره العديد من اللبنانيين المخلّص من المارونية السياسية. فأيّدت شريحة واسعة من اللبنانيين الحركة الناصرية والحركات اليسارية الإقليمية والعالمية، فكانت ثورة 1958، التي توقفت معها كتابة كتاب التاريخ اللبناني، لحساسيّة الموضوع.

وفي السبعينيات، لمعت كوفيّة أبو عمّار الذي أتى الى لبنان لاجئاً وحاكماً، بعد أن طفح كيل المملكة الهاشمية. على الأثر، تلقّفته الحركة الوطنية وغيرها من "الحركات"، فساهم في اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية وقاتل نيابةً عن من لم يرد أن يقاتل في الداخل. وبعد الاجتياح الاسرائيلي، وشَحن عرفات ومن معه الى تونس بحراً، تحوّل الى العمل الدبلوماسي والاتصالات المتواصلة مع العدو، تمهيداً لمؤتمرات عديدة، لم يعد الحديث عن تفاصيلها يجدي نفعاً.

بالتزامن مع ما تقدّم، وبعد الانقلابات والانقلابات المضادة، مكّن حافظ الأسد حكمه في سوريا، ثمّ في لبنان، الذي استمرّ بحكمه حتى وفاته عام 2000، فخلفه ابنه الدكتور بشار، حتى سفره الى موسكو سنة 2024. وقد عملت معظم القوى السياسية اللبنانية تحت جناح آل الأسد، طوعاً أو عنوةً، ومن جميع الطوائف، الى أن بدأت بالخروج تباعاً، وفقاً لمصالحها.

وبعد، بعد ثورة 1979 في إيران، تمّ تصدير أحد فروع هذه الثورة الى لبنان في الثمانينيات. ومنذ أكثر من ربع قرن، تمّت تربية أجيالٍ على الولاء للإمام الخميني، فالخامنئي، فالخامنئي "جونيور". والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم بسيط: "ماذا بعد الخامنئي؟" فحاكم إيران، أحببناه أم لم نحب، لا بدّ من أن يسقط يوماً. فما من حكمٍ يستمرّ للأبد، وما من حاكم إلّا وسيواجه حكم الطبيعة.

إنّ الحرب في إيران، وفي لبنان، ستنتهي وفقاً لمبدأين: المبدأ العام، وهو أنّ جميع الحروب تنتهي باتفاق، ومبدأ خاص، وهو أنّ الإدارة الأميركية لم تعد ترضى بأنصاف الحلول. فالنظام الإيراني سيخضع لتغييرات على الرغم من وجود مرشدٍ جديد، فيقوده أمثال عراقجي وبزشكيان الى اتفاقية مع "الشيطان الأكبر" تشفي غليل رجل الأعمال الذي يسكن البيت الأبيض. وفي لبنان، مع انقطاع التمويل عن القوى المحلية، سيصبح حصر السلاح لزوم ما لا يلزم.

وقد دخلت الحرب على إيران المرحلة الثالثة، أي مرحلة تحريك الشارع ضدّ الحكم. ففي المرحلة الأولى، تمّ استهداف القيادات، الدفاعات الجوية والمنشآت العسكرية بنجاح. وركّزت المرحلة الثانية المقتضبة على استهداف المقوّمات الاقتصادية، وتحديداً منشآت النفط والطاقة، ولكن يبدو أنّ الأميركيين قرروا عدم القضاء عليها بالكامل. وفي حال فشل المرحلة الثالثة بتحريك الشارع، سيتمّ اللجوء، على الأرجح، الى المرحلة الرابعة الخطيرة، والمتمثّلة بتدخّل قوى عسكرية برية بشكلٍ محدود لتأمين الأهداف الهامة المتعلقة بالمشروع النووي والطاقة.

وفي ما خصّنا، وعلى الرغم من الاستمرار المتوقع للحرب في لبنان بعد انتهائها في إيران، فإنّ توقيع طهران على اتّفاقية الاستسلام مع واشنطن سيسرّع في الوصول الى الخواتيم في بيروت، بعد قطع التمويل عن الأذرع. ولكن، هل نصل الى يومٍ يتّفق فيه اللبنانيون على الهوية اللبنانية النهائية فعلاً لا قولاً؟ وهل يمكن لحكومة لبنانيّة يوماً ما، أن تضع استراتيجيات بناءً على مبادئ مشتركة لأمّة وشعب؟

وللمستقبل، يبقى السؤال الأهمّ: "ماذا لو ’فرّخ‘ عبد ناصر جديد؟"


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa