اضطراب الحزن المطوّل: عن الذين بقيوا أحياء… ولم ينجوا

23/04/2026 02:27PM

كتبت نوال برّو في "السياسة":


ليست خسائر هذه الحرب مجرد أرقام تُحصى، بل جراحًا عميقة في قلوب آلاف العائلات والأصدقاء. أكثر من 2300 شخص خسروا حياتهم خلالها، لكن خلف كل فقيد: أمٌ ملكومة، أبٌ مكسور، إخوة خسروا عضدهم، أصدقاء همدت ضحكاتهم، وأحبّة يشعرون أن قطعةً من قلبهم قد انتُزعت إلى الأبد. ومع أن الحياة تستمر بمرارتها، إلا أن بعض الفاقدين يتوقف عندهم الزمن عند لحظة موت عزيز، ويغوصون في حزنٍ يعجزون عن التعايش معه، ليصبح عبئًا نفسيًا قاهراً يُعرف بـ"اضطراب الحزن المطوّل".

تقول المعالجة النفسية شانتال عيد إن الحزن “رفيقٌ إنساني لا مفرّ منه”، موضحةً أنه عند فقدان شخص عزيز يمرّ الإنسان بمراحل تبدأ بالصدمة ثم الإنكار، فالألم العميق، وصولاً إلى التكيّف. وتشرح أن هذا المسار الطبيعي قد يتعطل، عندها يظهر اضطراب الحزن المطوّل الذي يُعرّف كـ“استجابة حدادية شديدة تستمر لأكثر من 12 شهراً لدى البالغين”.

الأكيد أن الفقد المفاجئ والعنيف، بفعل الحرب، له أثر أعمق، وتؤكد عيد أنه قد يمنع الاستيعاب النفسي ويجمّد عملية الحداد منذ بدايتها.

وتضيف أنّ هذه الحالات تُفاقم مشاعر الغضب والذنب والظلم، فيما يساهم الإجهاد المزمن في تأثيرات بيولوجية على الدماغ تعيق تنظيم الذاكرة والمشاعر.


ولكن ماذا لو لم تأتي المصائب فرادى؟

حين تتوالى الخسائر —البشرية والمادية والمعنوية — فإن الإنسان “لا يتعامل مع كل فقد على حدة”، بل تتراكم هذه الخسائر لتشكّل، “عبئاً نفسياً مركّباً تتجاوز تداعياته مجموع أجزائه”، وفقاً لتعبير عيد.

وتوضح أن ما يُلاحظ سريرياً في هذه الحالات يشمل تآكل الهوية وشعور الشخص بأنه لم يعد يعرف نفسه، إضافة إلى ما تصفه بـ”إعادة الإنتاج القهرية”.

وتضيف أن النتائج قد تشمل، الاستنزاف العاطفي وفقدان القدرة على الشعور أو التواصل، والقلق المزمن وحالة التيقّظ الدائم خشية خسارة جديدة، فضلاً عن الشعور بالعجز، وصولاً إلى خطر الاكتئاب وانهيار الإحساس بالمعنى والغاية.


وكما نعلم، كثيرون ما يزالون نازحين، ما قد يشكل عائقاً نحو التعافي. فغياب الأمان والاستقرار، بحسب عيد،  “يمنع المشاعر من أن تُعاش أو تُعالَج بالشكل الطبيعي”، والتهجير بحد ذاته يشكّل صدمة،“فكيف إذا ترافق مع فقدان الأحبّاء وتشتّت العائلة”.وتعتبر أن فقدان طقوس الحداد،“يسلب المفجوع الأدوات الثقافية التي تساعده على الوداع”.وتتابع "هذه الظروف قد تحوّل الحزن إلى اضطرابات نفسية أعمق”.


ولكن كيف نميز أن الشخص لم يعد يحزن بل أصبح عالقاً في الحزن؟

تفنّد عيد مجموعة من الإشارات التي تستوجب الانتباه، أبرزها:

  -مرور الوقت دون تراجع في حدة الألم

  -توقف مظاهر الحياة أي تعليق العمل والاهتمامات

  -تصبح هوية الشخص ملتصقة بالفقد: كالقول "أنا من فقد فلان"

   -رفض قاطع لأي تغيير في الغرفة مثلاً، كأن الزمن لا يجوز له أن يتحرك

   -الخدر العاطفي

   -عزلة اختيارية

   -أفكار تدور حول اللحظات الأخيرة بشكل متكرر

    -شعور بأن الحياة لا معنى لها

إن استمرار هذه المؤشرات لأكثر من عام بعد الفقد، أو ظهورها بشكل حاد، يدلّ على أنّ الحزن تجاوز حدوده الطبيعية، ما يستدعي تقييماً متخصصاً، وفقاً لعيد.


وفي ظل محدودية خدمات الصحة النفسية في الظروف الصعبة، تبرز الحاجة إلى البحث عن بدائل. توضح عيد أنّ العلاج النفسي المتخصص يبقى الخيار الأمثل لاضطراب الحزن المطوّل، لا سيما العلاج المعرفي السلوكي المُكيَّف والعلاجات النفسديناميكية.  وتشير إلى أنّ الخيارات تبقى موجودة، إذ يمكن الاستفادة من المعالجين عبر المنظمات الإنسانية، ومجموعات الدعم وجلسات الحداد الجماعي.

أما ما يجب التنبه إليه هو إمكانية أن يُفضي الحزن المطوّل إلى اضطرابات أخطر كالاكتئاب الحاد، وهو أمر تحذر منه عيدو.

لذلك تعدد عيد علامات الخطر التي تستوجب تدخلاً فورياً، منها التعبير الصريح عن الرغبة في الموت، والانعزال التام، إضافة إلى إهمال العناية بالنفس. كما تشير إلى أنّ التخلّي عن المقتنيات والتصرّف وكأن الشخص يودّع الحياة تعدّ مؤشرات مقلقة.

وتشدد عيد على أنّ هذه الحالات لا تحتمل التأخير، داعيةً إلى طلب المساعدة الفورية عبر خطوط الدعم النفسي، مثل Embrace Lebanon (01564134)،

لكن المفجوع لا يجب أن يحرم من الفرصة للتعبير عن حزنه. فبحسب عيد، الحزن يُعاش بالرفق، ومنح النفس مساحةً له. وتشير إلىمجموعة من الوسائل التي تساعد على احتواء الحزن دون الانهيار، أبرزها الطقوس الصغيرة مثل إضاءة شمعة، أو تعليق صورة، أو كتابة رسالة للمتوفى. كما تؤكد على أهمية الحفاظ على روتين النوم والتغذية والحركة. وتضيف أنّ التعبير الإبداعي كالكتابة والرسم والموسيقى يشكّل قناة آمنة لتفريغ ما لا يمكن قوله بالكلمات. وترى أنّ إيجاد طريقة لتكريم المتوفى، كالقيام بعمل مجتمعي أو مواصلة حلمه، يخفف من حدّة الفقد.كذلك تشكل الروحانية والإيمان، بالنسبة لكثيرين، ملاذاً يساعد على احتواء الألم، وفقاً لها.


في السياق، قد تكون المواساة أصعب ما يمكن القيام به، وهناك أخطاء يرتكبها البعض "تزيد الطين بلة". وتعتبر عيد أنّ المواساة فنّ، ورغم حسن نوايا الأقرباء، قد يسبب كلامهم ألماً مضاعفاً.وتشير إلى مجموعة من الأخطاء الشائعة في التعزية، أبرزها الاكتفاء بعبارات مثل “الله يصبّرك” من دون حضور فعلي يرافقها، أو “كن قوياً” التي تدفع المفجوع إلى كبت حزنه. وتنتقد افتراض وجود جدول زمني للحزن. وتضيف أنّ تجنّب ذكر اسم المتوفى قد يكون مؤذياً، إلى جانب عبارة “أعرف كيف تشعر” التي تتجاهل فرادة كل تجربة. وتتطرق أيضاً إلى عبارات مثل“هو في مكان أفضل” التي تحمل عزاءً نظرياً لكنها لا تُخفّف من ألم الغياب، كما أنّ الاختفاء بعد فترة العزاء الأولى يضاعف شعور الوحدة. وتوضح عيد أنّ عبارة “قل لي إذا احتجت شيئاً” لا تُترجم إلى دعم فعلي، فالمفجوع نادراً ما يطلب المساعدة.

وتختم بالتأكيد على أنّ ما يصنع الفارق الحقيقي هو الحضور الصامت، والاستماع دون نصائح، والاستمرار في التواصل، ولو بكلمة بسيطة مثل: “أنا أفكر فيك”.


في لبنان فرضت المآسي علينا توقع الفقدان المفاجئ للأحبّة وامتهان المواساة. لكنّ الأهم أنّها تذكّرنا بأن نهتم بمن نحب وهم أحياء، أن نقول لهم ما نشعر به دون تأجيل، وأن نتنبّه لثقل الكلمات الجارحة قبل أن تُلفظ، لأنّها قد لا تعوّض لاحقاً.


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa