استطلاع يكشف..اللبنانيون يبحثون عن الاستقرار والاقتصاد اولا

28/05/2026 09:47AM

في بلد يعيش على وقع الحروب والانقسامات والأزمات المتلاحقة، تكشف الأرقام أحياناً ما تعجز السياسة عن قوله علناً. 

فالاستطلاع الذي أجرته شركة “Statistics Lebanon” لا يعكس مجرد توجهات عابرة في الرأي العام اللبناني، بل يسلّط الضوء على تحولات عميقة بدأت تتشكل داخل المجتمع اللبناني، حتى داخل البيئات التي كانت تُعتبر الأكثر رفضاً لأي حديث عن التسويات أو الاتفاقات السياسية.

الرقم الأبرز في هذا الاستطلاع يتمثل في أن 38% من الشيعة يؤيدون التسوية السياسية، وهي نسبة تحمل دلالات كبيرة في ظل سنوات طويلة من الخطاب التصعيدي والحروب المفتوحة. هذا التحول لا يمكن فصله عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي الكارثي الذي يعيشه اللبنانيون، ولا عن حجم الدمار والنزوح والخسائر التي شهدها الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية خلال السنوات الأخيرة. فحين يصل الناس إلى مرحلة يشعرون فيها أن الاستمرار في الصراع بات يهدد وجودهم اليومي، تبدأ الأولويات بالتغير مهما كانت الاصطفافات السياسية أو العقائدية.

الأكثر أهمية أن الاستطلاع يُظهر أن 28% فقط من اللبنانيين يعارضون بشدة التسوية السياسية. هذا يعني أن غالبية اللبنانيين، حتى لو اختلفوا على التفاصيل أو الشروط، باتوا يميلون إلى البحث عن مخارج سياسية بدل استمرار المواجهات المفتوحة. 

وهو ما يشير بشكل واضح إلى أن الشعب اللبناني تعب  من الحروب، وهو يعني ايضا ان هناك رأي عام متنامٍ يريد الاستقرار قبل أي شيء آخر.

اما في ما يتعلق بفكرة الاتفاق اللبناني الإسرائيلي، فان الأرقام تبدو لافتة ومثيرة للاهتمام. إذ يعتبر 34% من الشيعة، و67% من السنة، و83% من المسيحيين أن مثل هذا الاتفاق مهم. 

مما يعني ان هذه النتائج تعكس تغيراً تدريجياً في النظرة إلى مفهوم التسويات الإقليمية، خصوصاً لدى شرائح واسعة ترى أن استمرار العداء المفتوح مع اسرائيل لم يعد ينتج سوى مزيد من الانهيار الاقتصادي والعزلة والدمار. كما تكشف الأرقام وجود فجوة واضحة بين الخطاب السياسي التقليدي وبين المزاج الشعبي الحقيقي الذي بدأ يتشكل تحت ضغط الأزمات اليومية.

لكن ربما الرقم الأكثر تعبيراً عن الواقع اللبناني الحالي هو أن 72% من المواطنين اعتبروا الاقتصاد القضية الأهم بالنسبة لهم، حتى في زمن الحرب. وهذا المؤشر وحده يكفي لفهم حجم الانهيار الذي يعيشه اللبنانيون. 

من هنا، فإن الناس لم تعد تفكر بالشعارات الكبرى بقدر ما تفكر بالقدرة على تأمين المتطلبات الأساسية للحياة من غذاء ودواء وتعليم وتأمين مستقبل أولادها. 

أما بالنسبة إلى الأمن، فقد جاء في المرتبة الثانية بنسبة 58%، ما يؤكد أن اللبنانيين باتوا يربطون بين الاستقرار الأمني والقدرة على إنقاذ الاقتصاد وإعادة بناء الدولة.

ولكن مهما يكن فإن هذه الأرقام لا تعني بالضرورة أن لبنان أصبح على أبواب تسوية تاريخية، لكنها تكشف بوضوح أن المجتمع اللبناني يتغير، وأن الحرب المستمرة تدفع المزيد من الناس نحو البراغماتية السياسية بدل الشعارات الأيديولوجية. كما تؤكد أن وسائل الإعلام العربية والصحافة اللبنانية أمام لحظة مفصلية لفهم هذا التحول ونقله بواقعية، بعيداً عن الإنكار أو المبالغة.

في النهاية، قد يكون أهم ما في هذا الاستطلاع أنه يعكس حقيقة بسيطة وهي ، أن اللبنانيون يريدون أن يعيشوا. بعد سنوات من المعاناة والانهيار والحروب، كما يبدو أن هناك شريحة متزايدة منهم باتت ترى أن أي تسوية تحفظ الاستقرار والاقتصاد والدولة أصبحت تستحق النقاش.


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa