بين الحقيقة والصورة… أزمة العمل الإنساني بعد الحرب في لبنان

12:15PM

كتب الدكتور قاسم السعد : باحث في حقوق الإنسان والطفل

 

الحروب لا تختبر قدرة الدول والجيوش وحدها، بل تكشف أيضاً حقيقة المؤسسات التي تدّعي أنها وُجدت لحماية الإنسان. وفي لبنان، كما في كل الحروب، برزت نماذج مشرّفة دفعت ثمناً باهظاً وهي تحاول الوصول إلى المدنيين، لكن الحرب كشفت في المقابل أزمة صامتة داخل جزء من القطاع الإنساني؛ أزمة تتعلق بالصدق قبل أن تتعلق بالتمويل، وبالمصداقية قبل أن تتعلق بالإعلام.

خلال الأشهر الماضية، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بتقارير وصور وفيديوهات تتحدث عن إنجازات استثنائية. وللوهلة الأولى، قد يظن المتابع أن معظم احتياجات المتضررين قد لُبّيت، وأن الاستجابة الإنسانية كانت بحجم الكارثة. لكن من نزل إلى الميدان، أو عاش تفاصيل النزوح، أو التقى بالعائلات المتضررة، يدرك أن الواقع كان أكثر تعقيداً بكثير.

وهنا يبرز السؤال الذي لا بد من طرحه: لماذا أصبح الخطاب الإعلامي لبعض المنظمات أكبر من أثرها الفعلي؟

الإجابة لا تكمن دائماً في سوء النية، بل في التحول الذي أصاب العمل الإنساني نفسه. فمع تراجع التمويل العالمي، وازدياد عدد الأزمات، دخلت المنظمات في منافسة شرسة على الموارد. ولم تعد المنافسة محصورة في جودة البرامج، بل امتدت إلى القدرة على تسويق الإنجازات وصناعة الرواية الأكثر تأثيراً.

شيئاً فشيئاً، أصبح بعض المؤسسات يقيس نجاحه بعدد الصور المنشورة، وعدد التقارير الصادرة، وحجم التفاعل على وسائل التواصل، أكثر مما يقيسه بحجم التغيير الحقيقي في حياة الناس.

وهكذا تحولت المعاناة، في بعض الأحيان، إلى مادة إعلامية، وأصبحت الكاميرا تصل قبل الخدمة، وأصبح التقرير يُكتب أحياناً ليقنع الممول، لا ليعكس الواقع كما هو.

الأخطر من ذلك أن بعض التقارير لم تعد تنقل الحقيقة كاملة، بل تنقل الجزء الذي يخدم الصورة المؤسسية. تُبرز النجاحات، وتُخفى الإخفاقات، وتُضخّم بعض الأرقام، أو تُقدَّم البيانات خارج سياقها، فينشأ انطباع لا يعكس الواقع بدقة.

قد تحقق هذه الممارسات مكاسب مؤقتة، لكنها تترك ندوباً عميقة في جسد العمل الإنساني. فعندما يشعر المجتمع بأن ما يُقال لا يشبه ما يراه، تبدأ الثقة بالتآكل. وعندما يكتشف المانح فجوة بين التقارير والواقع، لا تتضرر مؤسسة واحدة، بل تتضرر سمعة القطاع بأكمله.

ولعل أكثر ما يثير القلق أن هذه الثقافة تظلم المؤسسات الجادة التي تعمل بصمت. فهناك منظمات لا تملك فرقاً إعلامية ضخمة، ولا تستثمر في الحملات الدعائية، لكنها موجودة يومياً بين الناس، وتعرف أسماء العائلات قبل أن تعرف أرقامها. غير أن زمن الصورة جعل الصوت الأعلى يطغى أحياناً على العمل الأفضل.

لقد كشفت الحرب في لبنان حاجة ملحّة إلى مراجعة عميقة لفلسفة العمل الإنساني. فالمساءلة لا تكون أمام الممول وحده، بل أمام الإنسان الذي فقد منزله، وأمام الطفل الذي ينتظر التعليم، وأمام الأم التي تبحث عن الدواء، وأمام المجتمع الذي يملك الحق في معرفة الحقيقة كما هي، لا كما تُراد لها أن تُعرض.

إن الإعلام الإنساني ضرورة، لكنه يفقد قيمته عندما يتحول إلى غاية بحد ذاته. فالصورة يجب أن تكون شاهداً على العمل، لا بديلاً عنه، والتقرير ينبغي أن يكون مرآة للواقع، لا أداة لتجميله.

لقد آن الأوان لأن تعود المنظمات إلى السؤال الأول الذي وُجدت من أجله: هل خدمت الإنسان حقاً؟ فإذا كانت الإجابة نعم، فلن تحتاج إلى تضخيم إنجازاتها، لأن الناس هم من سيتحدثون عنها. أما إذا أصبحت الصورة أهم من الحقيقة، فإن المؤسسة قد تربح حملة إعلامية، لكنها تخسر أثمن ما تملكه: ثقة المجتمع.

وفي النهاية، لا تُبنى سمعة المنظمات بما تكتبه عن نفسها، بل بما يقوله عنها أولئك الذين وقفت إلى جانبهم في أصعب اللحظات.


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa