الشعب ضاق ذرعًا بحكّامه... مصير مجهول يتربص الديمقراطية التونسية

01/08/2021 11:26PM

ما زالت القرارات المفاجئة التي اتخذها الرئيس التونسي قيس سعيّد، وشملت تجميد البرلمان ورفع الحصانة عن نوابه وإقالة رئيس الحكومة وإعفاء مسؤولين كبار في الدولة، تثير الجدل والمخاوف من مصير مجهول يتربص الديمقراطية التونسية الفتية.

وفيما يقول سعيّد إنّ الخطر داهم الدولة ومقوّماتها وإنّ قراراته منبثقة عن الدستور الذي أقسم عليه، اتهمه رئيس السلطة التشريعية راشد الغنوشي ومن أمام بوابة البرلمان المقفلة بدبابة عسكرية، بالانقلاب على الثورة والدستور.

إزاء ذلك، تُطرَح تساؤلات بالجملة عن أسباب وخلفيات وحيثيات القرارات الرئاسية في تونس، وإلى أي مدى تتسق مع نص وروح دستور 2014 وما تداعياتها، وأين تقف الدول العربية والغربية ممّا يحدث في مهد الربيع العربي، وما هي ملامح خريطة طريق قيس سعيّد للخروج من الأزمة واستئناف المسار الديمقراطي.

الديمقراطية التونسية في مفترق طرق

بين الشرعية والشعبية، تغرق مقومات ديمقراطية ناشئة، وتطرح التساؤلات عن مآلات المسار الديمقراطي ووعائه الدستوري، ما دفع بأكبر المنظمات النقابية للدخول على الخط، الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي أعلن نيّته تقديم خارطة طريق إلى رئيس الجمهورية لاتخاذ تدابير تسرّع من وتيرة الخروج من هذا الوضع الاستثنائي.

وقابل هذا التباين في الداخل تباطؤ في إعلان المواقف عربيًا ودوليًا، فواشنطن وعلى لسان وزير خارجيتها أنتوني بلينكن أعربت عن قلقها من انحراف المسار الديمقراطي في تونس، ودعا الاتحاد الأوروبي إلى الحوار واستعادة النظام في أقرب الآجال.

كذلك كان موقف الدوحة التي دعت أطراف الأزمة إلى تغليب صوت الحكمة وتجنّب التصعيد، فيما بادرت أنقرة برفض ما وصفته بالانقلاب على الشرعية.

وفي النتيجة، يبدو أنّ الديمقراطية التونسية تقف في مفترق طرق بين خارطة طريق مجهولة الملامح وهواجس تسود الأوساط السياسية من ضياع مكتسبات الثورة، وبين تطلعات شعب ضاق ذرعًا بفشل طبقته السياسية وحكّامه في حلّ أزماته الاقتصادية والصحة والاجتماعية.

هل هناك خطر داهم؟

يرى الباحث في القانون الدستوري والقانون النيابي رابح الخرايفي أنّ رئيس الجمهورية استند إلى المادة 80 من الدستور التي تنصّ على اللجوء إلى الاستثناء.

ويشير الخرايفي، في حديث إلى "العربي"، من تونس، إلى أنّ الاستثناء مشروط بوجود خطر داهم يهدد سلامة البلاد ووحدتها شريطة أن يحترم جملة من الإجراءات الدستورية وهي التشاور مع رئيس مجلس نواب الشعب ومع رئيس الحكومة وإعلام المحكمة الدستورية.

وإذ يلفت إلى أنّ الرئيس قيس سعيّد يقول إنّه تشاور مع رئيس الحكومة ومع رئيس البرلمان، إيعتبر أنّ هناك إجراء مستحيلًا وهو اللجوء إلى المحكمة الدستورية لأنها غير موجودة.

وفيما يتساءل عمّا إذا كان شرط الخطر الداهم متوافرًا، يتحدّث عن تسيّب عرفته حكومة هشام المشيشي، وما سبقها، فيما يتعلق بالضعف في اتخاذ القرار وغياب عدد من الوزراء، إضافة إلى تسيّب في نشاط البرلمان، وعنف متبادل بين النواب، حتى إنّ الحصانة تحولت إلى آلية من آليات الإفلات من العقاب.

أين رئيس الحكومة هشام المشيشي؟

في المقابل، يجزم أستاذ القانون العام والعلوم السياسية في جامعة تونس شاكر الحوكي بأنّ ما وقع هو انقلاب على الدستور بكل وضوح.

ويوضح الحوكي، في حديث إلى "العربي"، من تونس، أنّ الدستور وفي الأساس الفصل 80 وُضِع جانبًا وتمّ التصرف وفقًا لآليات أخرى لا علاقة لها الدستور، مشدّدًا على أنّ الإجراء الذي اتُخذ بعنوان الفصل 80 لا علاقة له به، بل إنّ الفصل 80 بريء من كل ما جري ويجري وسيجري.

ويلفت إلى أنّ قضية الخطر الداهم نسبية جدًا، مذكّرًا بأنّ تونس تعرضت في مناسبات عديدة لما يشبه الواقع الحالي، "وكل سنة لدينا أحداث من هذا القبيل ولم نذهب لهذه الإجراءات الاستثنائية".

ويشير إلى أنّه "إذا كانت هناك حاجة لمثل هذه الإجراءات على رئيس الجمهورية أن يلتزم بما نصّ عليه الفصل 80 وأن يقوم بالمشاورات الضرورية مع رئيس الحكومة ورئيس البرلمان وهو ما نفيا حصوله".

ويتساءل عن موقع رئيس الحكومة من المعادلة، قائلًا: "لا نعرف حتى الآن أين رئيس الحكومة".

كما يشير أيضًا إلى أنّ الفصل 80 يتحدّث عن البرلمان الذي ينبغي أن يبقى في حالة انعقاد في حين أن البرلمان اليوم مُحاصَر بالدبابات، ويضيف: "نحن نتحدث عن فصل آخر في دستور آخر وهذه مسألة قانونية لا يمكن أن نؤوّل فيها كثيرًا، لا سيّما أنّه لا يجوز هدم تجربة كاملة بعنوان التأويل".

تعدّ على المسار الديمقراطي في تونس

أما الأكاديمي المتخصّص في الإعلام نور الدين الميلادي فيرى أنّ صيرورة الأحداث هي التي ساهمت في الوصول إلى انسداد الوضع بهذا الشكل.

ويلفت الميلادي، في حديث إلى "العربي"، من لندن، إلى أنّ انسدادًا في الأفق السياسي حصل في الفترة الأخيرة، مشيرًا إلى أنّ الطبقة السياسية وفّرت بسوء الإدارة للمشهد السياسي والاقتصادي مسوّغًا لما عُبّر عنه بانقلاب على الشرعية وانقلاب على الدستور.

ويلاحظ أنّ تونس وصلت إلى مرحلة من الأزمة الاقتصادية عقّدت من أمرها أزمة انتشار وباء كورونا مع وصول أعداد الإصابات إلى نسب تفوق المعدلات العالمية، كما وقع كذلك تسطيح للعمل البرلماني مع ظاهرة عبير موسي وغيرها.

ويقول: "جزء من الشعب التونسي واضح أنه سئم العمل السياسي وهذا الانسداد في الأفق الاقتصادي والاجتماعي، لكن هذا لا ينبغي أن يكون مسوّغًا لرئيس الدولة المنتخب أن يؤوّل الدستور تأويلًا ضيّقًا لم يتفق معه فيه جل خبراء القانون الدستوري في الدولة التونسية".

ويضيف: "هذا تعدّ على المسار الديمقراطي في تونس وانفراد في السلطة بأن يجمع رئيس منتخب فجأة ودون أي مقدمات السلطات بيده، وهو يمكن أن يؤدّي إلى التعدي على الحريات برمتها في البلد".

ويشدّد على أنّه ليس صحيحًا أنّ رئيس الحكومة تمّت استشارته ولا رئيس البرلمان"، مردفًا: "نحن حتى الآن لا نعلم ما الذي حدث لرئيس الحكومة وهل وقعت له تهديدات شخصية".








المصدر : العربي

شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك