حين يصبح التعب موقفًا سياسيًا: ماذا تقول استطلاعات الرأي فعلًا عن اللبنانيين؟

19/05/2026 08:58PM

الدكتور قاسم السعد - باحث في حقوق الإنسان وحقوق الطفل:


في بلد يشبه لبنان، لا يمكن لأي استطلاع رأي أن يكون مجرد أرقام. فالأرقام هنا لا تُقرأ بمعزل عن الخوف، ولا عن الانهيار الاقتصادي، ولا عن الحرب، ولا عن التعب الجماعي الذي يعيشه الناس منذ سنوات. لذلك، فإن الاستطلاع الأخير الذي أجرته “الدولية للمعلومات” حول مواقف اللبنانيين من الحرب وإسرائيل وحزب الله والدولة اللبنانية، والمنفذ بين 28 نيسان و5 أيار 2026، لا يمكن التعامل معه بوصفه قياسًا تقنيًا باردًا للرأي العام، بل باعتباره نافذة على مجتمع يعيش واحدة من أكثر مراحله اضطرابًا وتشظيًا.  


من حيث الشكل، تبدو الدراسة متماسكة نسبيًا. عينة من ألفي شخص، موزعة على الطوائف والمناطق والفئات العمرية والجنس، وهامش خطأ معلن يبلغ ±3.2%.   وهي عناصر تمنح أي استطلاع حدًا أدنى من الجدية المهنية. لكن المشكلة لا تبدأ عند الأرقام، بل عند ما وراء الأرقام.


فالاستطلاع أُنجز في بيئة لبنانية غير طبيعية أصلًا. بلد يعيش انهيارًا ماليًا غير مسبوق، ومؤسسات متآكلة، وهجرة جماعية، وحربًا مفتوحة أو مؤجلة في كل لحظة، ومجتمعًا فقد ثقته تقريبًا بكل شيء: بالدولة، والسياسة، والاقتصاد، وحتى بالمستقبل نفسه. في مثل هذه البيئات، لا تكون الإجابات السياسية دائمًا تعبيرًا ثابتًا عن قناعات أيديولوجية، بل كثيرًا ما تكون انعكاسًا للخوف أو التعب أو الإحباط أو حتى الرغبة في النجاة بأي ثمن.


وهنا تكمن الملاحظة الأولى على الدراسة. فهي تتعامل مع الإجابات أحيانًا كما لو أنها مواقف مستقرة ونهائية، بينما الواقع اللبناني أكثر سيولة بكثير. اللبناني الذي يجيب اليوم بطريقة معينة قد يجيب بعد شهر بطريقة مختلفة تمامًا إذا تغيّر الوضع الأمني أو الاقتصادي أو الإعلامي. فالرأي العام في المجتمعات المنهكة لا يتحرك وفق قواعد الاستقرار السياسي التقليدي، بل وفق الإحساس اللحظي بالخطر أو الأمان.


الأمر الثاني يتعلق بمنهجية العينة نفسها. صحيح أن الدراسة تشير إلى توزيع متوازن للمستطلعين، لكنها لا تشرح بشكل كافٍ كيف جرى اختيار هؤلاء الأشخاص. هل كانت العينة عشوائية بالكامل؟ هل شملت النازحين والمخيمات الفلسطينية والمناطق المهمشة؟ هل وصلت إلى الفئات الأكثر خوفًا أو الأكثر عزلة؟ أم أنها اقتصرت عمليًا على الفئات الأسهل وصولًا؟ هذه الأسئلة ليست تفصيلًا أكاديميًا، بل جوهر أي نقاش حول مدى تمثيل الدراسة للمجتمع اللبناني الحقيقي.


ثم هناك نقطة شديدة الحساسية: نسبة الرفض المرتفعة التي بلغت 26%.   ففي الاستطلاعات السياسية العادية قد يُنظر إلى هذا الرقم كمعطى تقني، أما في لبنان فهو يحمل دلالات أعمق. لأن الذين يرفضون الإجابة في القضايا المرتبطة بإسرائيل أو حزب الله أو الحرب ليسوا بالضرورة غير مهتمين، بل قد يكونون الأكثر خوفًا أو الأكثر تشددًا أو الأقل ثقة ببيئة الاستطلاع نفسها. وهذا يعني أن هناك جزءًا صامتًا من المجتمع لا يظهر بالكامل داخل النتائج النهائية.


ولا يمكن تجاهل طبيعة المقابلات نفسها. فالدراسة أُجريت وجهًا لوجه، وهذا يمنحها ميزة من حيث الوصول إلى شرائح واسعة، لكنه في الوقت نفسه يخلق مشكلة معروفة في العلوم الاجتماعية، وهي ما يُسمى “الانحياز الناتج عن الرغبة الاجتماعية”. بمعنى أن كثيرين قد لا يقولون ما يفكرون به فعلًا، بل ما يعتبرونه إجابة أكثر أمانًا أو أكثر قبولًا اجتماعيًا. ففي مجتمع منقسم وحساس مثل لبنان، قد يخشى البعض التصريح بمواقف حادة أو مخالفة للبيئة المحيطة، خصوصًا حين تكون الأسئلة مرتبطة بالحرب أو التطبيع أو السلاح.


كما أن بعض الأسئلة نفسها لا تخلو من إيحاءات سياسية. فعندما يُطرح سؤال مثل: “من يتحمل المسؤولية الأكبر عن التصعيد الحالي في لبنان؟”، فإن صياغته تفترض مسبقًا وجود طرف رئيسي يتحمل المسؤولية، بدل فتح المجال أمام قراءة أكثر تركيبًا للحرب والسياق الإقليمي.   كذلك فإن توصيف الهدنة بخيارات من نوع “انتصار” أو “هزيمة” يدفع المستجيب نفسيًا نحو لغة سياسية حادة، بينما الواقع اللبناني غالبًا أكثر تعقيدًا من هذه الثنائيات المباشرة.  


لكن ربما أخطر ما في التقرير ليس الأسئلة نفسها، بل طريقة تفسير النتائج. ففي أكثر من موضع، ينتقل النص من عرض الأرقام إلى استنتاجات نفسية وسياسية واسعة حول “التعب الجماعي” و”فقدان الأمل” و”الإنهاك اللبناني”.   ورغم أن هذه التوصيفات تبدو قريبة من الواقع، إلا أنها تبقى تحليلات سياسية لا نتائج علمية مباشرة. فالاستطلاع يقيس ماذا يقول الناس، لكنه لا يستطيع وحده أن يحدد بدقة لماذا يقولون ذلك.


ومن اللافت أيضًا أن التقرير يقدّم التحولات في المواقف تجاه السلام والتطبيع وكأنها تحولات بنيوية سريعة داخل المجتمع اللبناني، خصوصًا عند المقارنة مع استطلاع آب 2025.   لكن القفز من تغيّر في الأرقام إلى استنتاجات كبرى حول “تغيّر القناعات اللبنانية” يبدو متسرعًا. فالمجتمعات الخارجة من الحروب أو العيش تحت التهديد غالبًا ما تعبّر عن مزاج متقلب أكثر مما تعبّر عن تحولات فكرية مستقرة.


وفي النهاية، ما تعكسه الدراسة فعليًا ليس أن لبنان أصبح مع السلام أو مع الحرب أو مع التطبيع أو ضده بشكل حاسم. بل تعكس شيئًا آخر أكثر عمقًا: لبنان يعيش انقسامًا نفسيًا وسياسيًا هائلًا. والدليل أن النتائج نفسها تكشف توازنًا شبه كامل بين من يحمل إسرائيل مسؤولية التصعيد ومن يحمل حزب الله المسؤولية.   وهذا يعني أن المجتمع اللبناني لم ينتقل من ضفة إلى أخرى، بل ما زال عالقًا بين روايتين كبيرتين للصراع والدولة والمستقبل.


لذلك، فإن التعامل مع هذا النوع من الاستطلاعات يحتاج إلى كثير من الحذر. فالأرقام قد تُستخدم بسهولة لتبرير خيارات سياسية، أو للترويج لفكرة أن اللبنانيين “تعبوا ويريدون أي حل”، بينما الواقع أكثر تعقيدًا بكثير. المجتمعات المنهكة لا تتخلى بالضرورة عن قناعاتها، لكنها أحيانًا تبحث فقط عن هدنة مع الخوف.


شارك هذا الخبر

آخر الأخبار

إشترك بنشرة الـ"سياسة"

أهم الأخبار و الفيديوهات في بريدك الالكتروني

إشتراك

تحميل تطبيق الـ"سياسة"

Playstore button icon Appstore button icon

تواصل إجتماعي

Contact us on [email protected]
Copyright 2026 © - Elsiyasa